إيران تعتبر سوريا الحصن الدفاعي الأول عنها، كما أنَّ سوريا تعتبر إيران الظهير الأقوى الذي تستند إليه.

لا يخفى على عاقلٍ أن كلّ ما حدث ويحدث في المنطقة منذ عقود، ولا سيما خلال السنوات العشر الأخيرة، كان الهدف منه ضرب محور المقاومة وتفكيكه، لأنه العامل الوحيد الذي يشكّل خطراً على الكيان الصهيوني، سواء كان هذا الخطر استراتيجياً، وذلك من خلال العمل على إزالة هذا الكيان، أو تكتيكياً، وذلك بفرملة تمدّده والتقليل ما أمكن من تأثيره في المنطقة.

من هذا المنطلق، أتت اتفاقيَّة تعزيز التعاون العسكريّ والأمنيّ التي وقَّعها منذ أيام قليلة في دمشق كلّ من وزير الدفاع السوري ورئيس هيئة الأركان في الجيش الإيرانيّ.

من يتتبّع تسارع وتيرة الحرب الأميركية على المنطقة، وخصوصاً على كلٍّ من سوريا وإيران، سيرى أنَّ هذه الاتفاقية أتت ضمن السياق الطبيعي لقرار الدولتين بالتصدي معاً بحزمٍ، وبكلّ الإمكانيات، لما تتعرضان له من عدوان أميركي - إسرائيلي.

وإذا ما حاولنا الإضاءة على بعض نقاط هذه الاتفاقية، فسنجد أن النقطة الجديرة بالتوضيح هي الموقف الروسي مما يجري، فعلى الرغم من الدعم الروسي الكامل لسوريا في محاربة الإرهاب، والذي تجلّى في مختلف المجالات، فإننا نرى أنه يظلّ ناقصاً في التصدي للاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، بسبب الصداقة وعلاقة المصالح بين كلٍ من روسيا و"إسرائيل".

ومن الواضح أنَّ سوريا تتفهّم، ولو على مضضٍ، أسباب تحفّظ روسيا على تفعيل منظومة الصواريخ "S300"، بينما ترى أن النسخة الأفضل من هذه المنظومة "S400" أصبحت في تركيا. ومن حقّ سوريا، بل من واجبها أن تبحث عن البديل الذي يسد هذه الثغرة. وبالتأكيد ليس هناك بديل أقوى من تحالفها مع إيران؛ هذا التحالف الذي لم تستطع كلّ الإغراءات والتهديدات الأميركية أن تقطع أواصره، والأسباب متعددة ومعروفة، ويأتي في مقدمتها أنَّ البلدين يربطهما مصير مشترك في الربح والخسارة.

ولذلك، نجد أنَّ إيران تعتبر سوريا الحصن الدفاعي الأول عنها، كما أنَّ سوريا تعتبر إيران الظهير الأقوى الذي تستند إليه. ولهذا، قرّرت الأخيرة تزويد سوريا بأحدث أسلحتها، وخصوصاً دفاعاتها الجوية، وفي مقدّمتها المنظومة الصاروخية "خرداد 3"، التي نجحت في إسقاط الطائرة المسيّرة الأميركية "أر كيو جلوبال هوك"، التي تعتبر درّة تاج المسيّرات الأميركية. 

وهنا، لا بد من التمييز بين الصديق الروسي والحليف الإيراني، فالحليف لا يمكن أن يكون حليفك وحليف عدوك في الوقت نفسه، بينما الصديق يستطيع ذلك.

وإذا أمعنّا النظر قليلاً في هذا الجانب، فعلينا أن ندرك أن العلاقات بين الأصدقاء، وأيضاً الحلفاء، هي علاقات تكاملٍ، وليست علاقات تطابق. ومن هذا المنطلق، نجد أن الدول الثلاث تتفهّم مواقف بعضها البعض، وتعمل دائماً لتدوير الزوايا ضمن المواقف الخلافية بينها.

وبناءً على ذلك، يكون بعيداً من الواقعيّة من يقول إنَّ روسيا غير راضيةٍ عن هذه الاتفاقية، بل ربّما تكون هي من شجّعت عليها، لتتلافى الإحراج الآتي من عدم تقديم الدعم الجوي الكامل لسوريا، ولتترك للسلاح الإيراني مهمة سدّ هذه الثغرة.

وهنا، يحسب لإيران تقدّمها خطوةً مهمةً باتجاه حليفتها سوريا، وابتعادها خطوة عن صديقتها تركيا، لكونها تعرف أنَّ هذه المنظومة الصاروخية قد تستعمل في أيّ وقتٍ ضد الطيران التركي، إذا تصاعدت الأمور باتجاه نزاعٍ عسكريٍ شاملٍ وكبيرٍ بين الدولتين.

أمّا عن مفاعيل هذه الاتفاقية على الجانب المعادي المعنيّ بها، فسنلاحظ العديد من النقاط:

-  إنَّ البلدين الموقعين أعطيا من خلال هذا الاتفاق قراراً واضحاً وعلنياً وحازماً بأنّ إيران موجودةٌ في الأراضي السورية بطلبٍ وبتنسيقٍ سوري، لدعمها في الحرب المفروضة عليها، وأن الطلبات الأميركية والإسرائيلية بالخروج الإيراني من سوريا هي طلباتٌ مرفوضةٌ بالمطلق.

- إنّ حدود أيّ اشتباكٍ مستقبلي مسلحٍ بين أيّ طرفٍ من أطراف محور المقاومة وبين "إسرائيل"، ستكون هي الحدود الشمالية مع فلسطين المحتلّة.

- أتت هذه الاتفاقية لتعرّي نتنياهو، ولتقول إنَّ عمله خلال السنوات الماضية على ضرب المواقع الإيرانية في سوريا، لتقليل النفوذ الإيراني، ومنع خطره على "إسرائيل"، وتسريب الأخبار عن مسؤولية "إسرائيل" عمّا حدث في إيران مؤخراً من أعمالٍ تخريبيةٍ.. كلّ ذلك لم يكن سوى عمل إعلامي وانتخابي، ولم يكن له أيّ تأثير في أرض الواقع، بل على العكس، فالحضور الإيراني في سوريا صار أقوى، والردّ الإيراني على أعمال التخريب سيكون قاسياً إذا أثبتت التحقيقات أنها أعمالٌ تخريبيّة تقودها "إسرائيل".

ختاماً، نرى أنّ من المؤكد أن هذه الاتفاقية ليست إعلاميّةً، ولا مناورةً، وليست معركةً ضمن الحروب، بل هي قرار مواجهةٍ كاملةٍ وقرار انتصار.

الميادين نت