تحميل المادة

كشفت الحربُ أنَّ لدى السوريين مقدرةً فائقةً على "تدبير" كلِّ شيء تقريباً، أو محاولة ذلك؛ ليس "تدبير الحياة" فحسب، وإنما "تدبير الموت" أيضاً، وقد كان فيهم أو لديهم حسُّ دعابة وفنون في التعبير، مثل القول، مع ابتسامة ملتوية أو مواربة أو حتى تهكّم بليغ: "عايشين من قلة الموت"، كان ذلك قبل الحرب، وجواباً عن سؤال الأحوال.
ولكنهم يواصلون اليوم، بعد سنوات من الحرب، تهكُّمهم هذا حتى مع "كثرة الموت"، الذي حدث جانب كبير منه بأيديهم هم أنفسهم، قائلين: "إن الموت لم يجد إلينا سبيلاً بعد"، و"لقد مَلَّ الموتُ منا"، و"الموت واحد منا، نغالبه ويغالبنا، نغلبه ويغلبنا"، و"لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، و"اللي إلو عمر، ما بتقتلو شِدَّة"!
وثمة مدارك وربما معتقدات "صانعة للموت" أو هي من "محدِّداته" أو من "عوامل إنتاجه"، إن أمكن التعبير، مثل: قيم الشهادة أو الموت في سبيل الوطن أو الملّة أو العصبة أو الحزب أو التنظيم، إلخ، وكذلك قيم التضحية الدينية والإيمانية، إلى جانب قيم الارتزاق والحصول على الريع.
أظهرَ الحدثُ السوري أن لدى السوريين إرادة للحياة تجاوزت (أو تكيفت مع) الكثير من أحوال وأهوال الحرب، وإرادة لـ "الحل والترحال" أو الهجرة واللجوء داخل سورية وخارجها؛ وقد تجاوزوا في ذلك كل الحدود والحواجز والجدران، المادية والمعنوية، وأظهروا مقدرة فائقة على التمسك بالعيش في أحلك الظروف، والإقدام على المخاطرة من أجل البقاء.
وأظهر الحدثُ أنَّ لدى السوريين –بالمقابل– إرادة للموت، بكيفية فاقت كل التوقعات تقريباً، ليس موتاً من أجل الموت، إنما موت أقرب لمآل اقتضته الحرب، أو هو موت حصل في سياق احتدام المعنى وهستيريا "الأدينة" و"المذهبة" و"التطييف" التي اختلطت مع احتدام الصراع على الموارد، و"انسداد أفق العيش" لدى شريحة من السوريين الذين وجدوا أنفسهم (ومنهم من قرّر لسبب أو لآخر أن يكون كذلك) في حالة اصطفاف واستقطاب قاتل.
وإرادةُ الموت ليست دفاعاً عن الوطن فحسب، وإنما في مقابل "فكرة الوطن" أو "فكرة سورية" وبمواجهتها أيضاً، أي موت من أجل أفكار وأهداف هي على نقيض تام تقريباً لها، سواء أكان موتاً من أجل أفكار طائفية أو قبلية أو جهوية، أو أهداف انقسامية أو ارتزاقية أو غنائمية.
وفي الوقت الذي تحول فيه السوري –في المشهد العالمي– إلى "أيقونة" للموت والقتل، فقد كان ذلك على حساب بُعد آخر لديه، يمكن أن يكون "أيقونياً" أيضاً، أو يجب أن يكون كذلك، هو "إرادة الحياة". وقد واجه السوريون إكراهاتٍ وأهوالَ حربٍ مستمرة منذ العام 2011، ويمكن العودة ببعض إكراهات الحرب وإرادة الحياة إلى عدة سنوات قبل ذلك.
الحرب السوريّة هي في جانب منها "صِراع على المعنى"، وفي القلب منه "معنى الحياة"، و"إرادة الحرب" –بهذا المعنى– هي "إرادة الحياة"، وهذا ينسحب على "إرادة الموت" أيضاً، باعتبار أنهما وجهان وبعدان رئيسان للمعنى، إذ إنَّ الموت أو "إرادة الموت" هي تعبير عن "إرادة الحياة" أيضاً، باعتبار فكرة "التضحية" و"الشهادة"، وقد يكون الأهم هو فكرة "البطولة"، على ما تطرحه أو تحاوله الدراسة؛ وهذا باب فيه كلام كثير.
هنا يجب الحذر من تقديرات أو إجابات أخلاقية أو بالأحرى إيديولوجية عن أسئلة أو ظواهر "معيوشة" أو "معاشة" في الواقع تتجاوز كل الإيديولوجيات والسرديات التقليدية المعروفة في سورية والمنطقة (والعالم)، عن إرادة الحياة والموت، ومكابدة أحوال وأهوال الحرب.
وهكذا، من المفترض ألا يتحوّل الخطاب عن "إرادة الحياة" إلى عنوان لـ "التملق" أو "التغطية" على إخفاقات الحياة وانزلاقات السياسة وربما انحرافات المعنى والقيم والسلوك لدى شريحة قد تكون كبيرة من السوريين، وألا يكون الحديث عن "إرادة الحياة" مجرد نوع من "التعويض النفسي" أو جزءاً من "بروباغاندا" سياسية، ولو أن هذا أمر محتمل أو مرجح!
تتألف الدراسة من مقدمة وستة محاور، أولاً- في الرؤية والمقاربة، ويتضمن: في الإرادة، في الأسئلة؛ ثانياً- في مفهوم "إرادة الحياة"، ثالثاً- "إرادة الحياة" والحرب، رابعاً- إخوة كازانتزاكي! ويتضمن: القلب والسيف!، الإرادات الدنيا، الرهانات؛ خامساً- الحدث السوري، إرادة الحياة، ويتضمن: حالة أو ظاهرة "طيفية"، التيه، الحل والترحال، معانيَ متوازية، نسيجية-تفاعلية، فوكوية!، بركانية، لا متوقعة، سيالة، انبثاقية؛ سادساً- فضيلة الحرب! ويتضمن: انبثاق الحياة من الموت، الهزيمة ليست قدراً، تفكيك "المسلمات"، مواجهة "غير متكافئة"، الجدارة، التضحية، قيم البطولة؛ وأخيراً خاتمة.

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات