جريدة الأخبار

يشكّل تفشّي البطالة بفعل الحصار الاقتصادي المطبق، بطبيعة الحال، تربة خصبة لتنامي معدّل الجريمة (أ ف ب )


عاد هاجس «الأمن والأمان» ليسكن صدور السوريّين من جديد، بعد عودة مسلسل الجرائم على نحو لافت، في ظل مخاوف عميقة من تفاقم الجريمة وتحوّلها إلى «أمر اعتيادي»، ولا سيما أن هذه الحوادث تعيد إلى الأذهان جحيم الحرب، واستعادة مشاهد القتل والخطف والسرقة التي استمرت لأكثر من ثمانية أعوام. يأتي ذلك كله، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية يرزح تحتها السوريون، ما قد يكون دافعاً لازدياد الجرائم

دمشق | في الأوّل من تمّوز/ يوليو الجاري، استيقظت دمشق على وقع جريمة قتل في بلدة بيت سحم، في ريف دمشق، راح ضحيتها 3 أطفال مع والدتهم إثر تعرّضهم لعدة طعنات بآلة حادة في أنحاء متفرقة من أجسادهم، بالإضافة إلى تعرّض المرأة لـ«الاغتصاب» وهي مكبّلة اليدين. ليس هذا فقط، بل أضرم المجرم النيران في المنزل، ليتحوّل الضحايا إلى جثث متفحّمة، فيما أصيب الوالد إصابات بالغة، وهو في حال حرجة. وبعد التحقيقات، بحسب ما نشرته وزارة الداخلية السورية، تبيّن أن «الفاعلَين هما على معرفة سابقة بالزوج، إذ سبق أن أجريا له أعمال ترميم وتصليح في منزله». بعد أيام قليلة، شهدت مدينة طرطوس جريمة أخرى، حيث عُثر على جثة فتاة قاصر في أرض زراعية، وقد «قُتلت بعد اغتصابها». ومنذ أيام فقط، نجت امرأة من محاولة قتل من قبل جارتها التي هاجمتها بهدف سرقة «زينتها من الذهب»، في بلدة عش الورور في ريف دمشق. وسجّلت سوريا منذ بداية تموز/ يوليو فقط، أكثر من 5 جرائم متتالية في غضون أسبوع واحد، ما دفع بالعديد من الناشطين والإعلاميين إلى اعتبار الشهر الحالي «شهر الجرائم»، في إشارة إلى ارتفاع نسبة الجريمة بشكل غير مألوف لم تشهد البلاد مثيلاً له، إذا ما استثنينا الأحداث المتعلقة بالحرب.

ارتفعت نسبة الجريمة منذ بداية تمّوز/ يوليو بشكل لم تشهد البلاد مثيلاً له

شهادات شخصية
تعرّض ثائر حسن (اسم وهمي)، الذي يقطن في أحد الأحياء الشعبية العشوائية في دمشق، لمحاولة نشل في وضح النهار، أثناء توجهه إلى محله لبيع المفروشات. يقول الشاب: «طاردني رجل منذ لحظة خروجي من المنزل، وراح يلاحقني ويراقبني بنظرات مريبة، وأعتقد أنه كان يتحيّن الفرصة المناسبة لانتشال جهازي الخلوي، غير أنني تمكنت من تضليله، عبر الأزقة». من جهته، يروي يزن (طالب في كلية الهندسة الميكانيكة والكهربائية)، تجربته بعدما نجا من عملية خطف وشيكة مدبّرة من سائق سيارة الأجرة، ورجلين آخرين من أمام باب الكلية. ويروي: «ركبت في تاكسي جماعي عقب الانتهاء من الدروس الجامعية، وما إن تقدّمت السيارة بضعة أمتار مبتعدة عن تجمعات الطلاب، حتى هاجمني أحد الركاب بجانبي، بقطعة قماش مبلّلة بمخدّر، لكنني تمكنت من مقاومته والإفلات منهم».

الجريمة كمخلّفات للحرب
أبقت الحرب الباب موارباً لجهة اقتراف المزيد من الجرائم وارتفاع منسوبها عبر إفرازاتها النفسية والاجتماعية، إذ خلّفت تصدّعات في بنية المجتمع السوري، وأخلّت بالمنظومة الأخلاقية فيه. هذا، مع ضعف «الذراع الأمنية» في بعض المناطق، التي استعيدت السيطرة عليها في الآونة الأخيرة، أو الخاضعة لتسويات واتفاقيات أمنية محددة تعرقل ضبط الأمن بشكل كاف. كل ما سبق، يُضاف إليه عامل أساسي، ازداد أخيراً بشكل كبير، ما قد يُفسّر ارتفاع نسب الجريمة في وقت قياسي منذ بداية الشهر حتى اليوم، وهو ارتفاع نسبة الفقر وتراجع الأوضاع المعيشية، وتفشّي البطالة بفعل الحصار الاقتصادي المطبق، ما يشكّل، بطبيعة الحال، تربة خصبة لتنامي معدّل الجريمة. وفي حديث إلى «الأخبار»، تُرجع المحامية رؤى عكاري التفاقم الأخير للجريمة إلى «الوضع الاقتصادي المتردي الذي يضغط على الناس بشكل كبير، وهو يدفعهم إلى السرقة والخطف وغيرهما من الجرائم التي قد تصل إلى القتل». بدورها، ترى الباحثة الاجتماعية هناء برقاوي، أن «الحرب تشكّل خطراً كبيراً يهدد المجتمعات الإنسانية ومنها المجتمع السوري الذي مرّ بظروف صعبة جداً»، وتضيف: «الجريمة، كظاهرة اجتماعية، ليست جديدة، إلا أن حصولها في ظروف غير طبيعية متأزّمة من شأنه أن يسهم في منحها أبعاداً أكثر خطورة من ظهورها في ظروف عادية، وممّا لا شك فيه أن شيوع الجريمة بأشكالها المختلفة، في ظل ما يعيشه السوريون من ظروف متردية، هو من أكبر المؤشرات على انهيار المنظومة القيمية الاجتماعية، بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانعكاس ذلك على سلوك الأفراد، ودفعهم إلى تبنّي سلوكيات غير أخلاقية لتلبية احتياجاتهم».

وتفاعلاً مع تفاقم الجريمة في الفترة الأخيرة، أطلق العديد من السوريين، عبر صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، دعوات تطالب بـ«تعليق المشانق في الساحات العامّة، وإنزال أقصى العقوبات بحق الفاعلين كنوع من الترهيب لردع الجريمة والحفاظ على هيبة القانون وسيادته».