تخوض تركيا هذه الأيام مواجهات عديدة على مختلف الجبهات، لكنها مواجهات تبدو متسقة ضمن مشروع استراتيجي واحد هدفه استعادة الإمبراطورية العثمانية، فكيف وصلت إلى هنا خلال العقدين الماضيين؟ وأية عوائق أمام مشروعها القديم المتجدّد؟

خلال العقدين الماضيين، تقلّبت السياسات التركية بصورةٍ حادة وملحوظة، رسمتها أحلام دولة حكمت المنطقة لمئات السنوات كإمبراطورية كان لها وهجها وسطوتها ومشروعها الديني والثقافي والتغييري، ولم تتراجع إلى حدودها الحالية إلا كنتيجة لانفجار النظام الدولي في العام 1914، وتغير موازين القوى العالمية، وتخندق القوى الكبرى ضمن حلفين كبيرين تطاحنا في حربٍ ضروس، دفعت خلالها تركيا ثمن خيارها بأن تكون ضمن المعسكر الخاسر.

لم تنسَ أنقرة أطماعها في المنطقة العربية يوماً، فلطالما اعتبرت أنها قادرة على حكم هذه المنطقة المفككة تاريخياً بين قبائل وعشائر وإمارات يجمعها الكثير، لكن تفرقها نزعات واختلافات غذّتها الإمبراطوريات التي حكمتها، ووجدت أنها بقربها الجغرافي والتاريخي والتصاقها بقضايا المنطقة وثقافتها أفضل من يمكن أن يتيسر له حكم العرب، واستخدمت في سبيل ذلك الخلافة الإسلامية، وهي ديانة معظم العرب، لتحكمهم كإمبراطورية قومية ودينية في الوقت نفسه، وساهم البعد الإسلامي في تطويع المساحة العربية تحت قبضة العثمانيين.

فشل تركيا الأوروبية
لكن أنقرة في التسعينيات من القرن الماضي، استغرقت في حلمٍ آخر دغدغ صانعي القرار فيها، لتتحوَّل بعد حوالى 8 عقودٍ من العلمنة الأتاتوركية إلى دولةٍ أوروبية منسجمة مع روح العصر، ومنتمية إلى الفضاء الأوروبي البازغ بكامل بريقه، والذي كان نموذجاً واعداً تتطلّع إليه بقية دول العالم. 

لقد عاشت تركيا الأوروبية حلمها القصير المدفوع بإغراء التسعينيات للدول الشرقية، وجذبها النموذج الأوروبي الذي ساد حول العالم على أنه النموذج الناجح للتكتل المثالي بين قوى كانت متحاربة تاريخياً، وتمكنت من الانسجام معاً في اتحاد سياسي كبير، وعملة موحدة، وقبلهما سوق اقتصادية مشتركة، ورابط قيمي عابر للأطلسي يقوم على مبادئ الحرية السياسية والاقتصادية، وموصول مع القوة الغالبة والمتصدرة لقمة العالم بعد انتصارها على القوة الشرقية التي تفككت وغرقت في مشكلاتها الداخلية وعلاقاتها البينية المنفجرة بتحفيزٍ غربي، وبرواسب كانت مخفيةً في قلب قبضة الاتحاد السوفياتي السابق.

كانت انعكاسات هذا التوجه تصالحية مع الجيران العرب، ومنهم سوريا، حيث بنيت علاقات طيبة بين الدولتين في عهد الرئيس التركي السابق أحمد نجدت سيزر، وفي بداية عهد الرئيس السوري بشار الأسد، لكن هذه المرحلة مرت بسرعة في سماء المنطقة، فبدأت الصورة بالتغير مع وصول رجب طيب إردوغان إلى رئاسة الوزراء في العام 2003، في الوقت الذي كانت بلاده تواجه صدّاً أوروبياً متكرراً تمثل بشروط قاسية وضعتها الدول الأوروبية الوازنة في طريق تركيا، فمنعتها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. 

لقد بدا واضحاً أن طريق تركيا الأوروبية دونها عقباتٌ كبرى. وقد كان لألمانيا، الدولة المحورية في المنظومة الأوروبية، الدور الأبرز في عرقلة جهود تركيا للانضمام إلى الاتحاد. وفي المرحلة التي كانت الانتكاسة التركية أوروبياً تتمظهر بوضوح في تصريحات الجانبين التركي والأوروبي، كانت علاقات تركيا العربية مستمرة بمسارها الإيجابي، وخصوصاً أن علاقات إردوغان مع القيادة السورية كانت تتخذ منحنى تصاعدياً تسوده الإيجابية.

لكن مساراً آخر كان يتعزز داخل تركيا نفسها، فإردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) صارت سياساته تتجه أكثر فأكثر نحو الطابع  الإخواني الإسلامي، مبتعدةً بالتدرج عن روح تركيا الأتاتوركية، وصولاً إلى إعلان استراتيجية "الصفر مشكلات"، وفق نظرية أحمد داوود أوغلو (تولّى وزارة الخارجية، ثم رئاسة الحكومة) المفصّلة في كتابه "العمق الاستراتيجي"، حيث يشرح فيه تصوراً استراتيجياً ضخماً تعود فيه تركيا إلى عمقها الاستراتيجي في الشرق الأوسط. وكانت سياسة "صفر مشكلات" مع دول الجوار عنواناً لامعاً وشديد التوهج أظهر تركيا كقوةٍ إقليمية محبّة لجيرانها، قبل أن تتبدّل الأحوال.

ومع هذا التحوّل الذي بدأ يتصاعد، انتهج إردوغان سياسةً إعلامية تقاربية مع العرب ومساندة للفلسطينيين، فشهدت العلاقات التركية الإسرائيلية مناسبات عديدة من التوتر، أبرزها ما تلا حادثة السفينة "مافي مرمرة" التي اقتحمتها القوات الإسرائيلية، وراح ضحية الاقتحام مواطنون أتراك، ثم موقف إردوغان ضد "إسرائيل" في مؤتمر دافوس، لكن ذلك لم يمنع من استمرار العلاقات التركية الإسرائيلية والتمثيل الدبلوماسي بينهما، ولم ترقَ هذه المناوشات إلى الحد الذي تتحول معه إلى سياق سياسي متين تكون تركيا فيه سنداً حقيقياً للعرب ولفلسطين، وبالتالي لم تؤدِّ تركيا - لوقت طويل - الدور الذي حرّك مشاعر العرب لفترة وجيزة.

تركيا و"الربيع العربي"
مع انطلاق أحداث العالم العربي التي صُورت وعممت تسميتها كـ"ربيع عربي"، رأى إردوغان في تلك الأحداث فرصته التاريخية للعودة إلى المنطقة كسلطانٍ عثماني هذه المرة؛ سلطان يقول ما يجب أن يحدث، فيحدث، ويقود ثورات وأحزاباً، ويؤثر فعلاً في أكبر الدول العربية. لقد كانت الثورة المصرية وارتداداتها وتوازنات القوى فيها مساحة حركة واعدة لتركيا وقائدها.

كشفت تركيا عن وجه مشروعها ابتداءً من مصر، فدعمت حركة "الإخوان المسلمين"، وساعدتها في وصولها إلى السلطة، وفتحت لها أبواب المنطقة لتدير علاقات إقليمية كحركة قادرة على الحكم، واعتبرت أن حكم الإخوان في مصر والنهضة في تونس، عقب الثورات التي بدأت تقلب الأنظمة الواحد تلو الآخر، هو انتصار للقوى الإسلامية التي ستكون تركيا لاحقاً مركز قوتها ومدار حركتها في المنطقة.

لكنَّ الثورة في تونس عادت بسرعة وخلطت أوراقها، وأنتجت نظاماً لا يزال إلى اليوم يتفاعل، من دون أن ترسو البلاد على برّ حكم مستقر، بينما لم تستمر فترة حكم الإخوان المسلمين في مصر أكثر من عامٍ واحدٍ، اصطدمت خلالها الحركة بمختلف المكونات الأخرى للثورة، كما اصطدمت بعلاقاتها الخارجية مع الدول العربية الأخرى، فواجهت توتراً كبيراً مع سوريا ودول الخليج العربية، باستثناء قطر. 

وفي المحصّلة، فشلت الحركة في إدارة الحكم في تونس ومصر، وفشلت معها تركيا في إدارة نفوذ خارجي حاكم في هاتين الدولتين، لكن محاولات أنقرة لم تتوقف، ففي سوريا، دعمت تركيا فصائل المعارضة المسلحة، وذهبت بعيداً جداً في التسليح والدعم بأشكاله كافة، وصولاً إلى إدخال الإرهابيين إلى الأراضي السورية، واستقبالهم في تركيا، وتمريرهم عبر الحدود، وسرقة البنى التحتية الصناعية للمصانع السورية في مدن الشمال السوري وقراه، وسعت بكامل قوتها، بما فيها الأعمال العسكرية المباشرة، إلى إسقاط سوريا وتأسيس حكم موالٍ لها في دمشق.

وهي إن لم تستطع فعل ذلك، وبعد خسارتها المواجهات المباشرة مع سوريا، ومع روسيا في سوريا، ومع قوى المقاومة التي ساعدت سوريا على تحرير معظم أراضيها، تستمر حتى اليوم بدعم الإرهابيين في إدلب، وتحاول الاستثمار فيهم، بهدف خلق أمر واقع ميداني يمكّنها من البقاء في شمال سوريا. وقد أعلنت بصورة مباشرة وواضحة أنها دخلت الشمال السوري، وأن لها مصالح أخرى هناك لا تقتصر على حماية حدودها من الكرد الذين ترى فيهم خطراً كبيراً على أمنها ووحدتها.

لكن سياسة تركيا في سوريا لا تبدو أنها قادرة على تحقيق أهدافها بصورةٍ يسيرة، فالبقاء في الشمال السوري يعتمد على ظروف الحل النهائي للأزمة السورية. وهنا تدخل في الحسابات مواقف قوى كبرى، كروسيا والولايات المتحدة، وقوى أخرى إقليمية، فضلاً عن موقف دمشق وقدرتها على التأسيس لمرحلة جديدة مستقرة تنهض من خلالها بنفسها.

معنى ذلك أنّ وجود تركيا في سوريا بالصورة التي يتمنّاها إردوغان غير متوفر كخيارٍ مستدام، ما دامت رعاية الحل النهائي في سوريا ستتم في المحصلة كنتيجةٍ حقيقية تعكس توازنات الميدان، وأوراق تركيا في الطريق إلى ذلك غير دائمة، وأبرزها مقاتلو جبهة النصرة والجماعات الأخرى الموجودة في إدلب، بينما لا تحوز أنقرة شرعية إبقاء جنود لها في المنطقة، نظراً إلى تعارض ذلك مع كل المواثيق الدولية.

إلى جانب ذلك، إن المزاج الشعبي العام، وخصوصاً بعد كل الويلات التي عاشها الشعب السوري وسكان الشمال، لا يتناسب مع فكرة بقاء الأتراك في الشمال السوري. لذلك، كان لزاماً على مشروع إردوغان أن يجد ساحةً جديدة خصبة لإحياء نفسه، فكانت ليبيا.

المشروع العثماني في المنطقة مجدداً
من هذا المنطلق، بدأت تركيا بالتركيز على ليبيا، كساحةٍ فوضوية لا إمكانية للسيطرة عليها من قبل القوى الميدانية، على الرغم من تداخل مصالح العديد من الدول هناك، وهي من خلال دعمها حكومة الوفاق المتمركزة في طرابلس الغرب، تحاول التأسيس لمستقبل الحكم في ليبيا، ليكون مركز نفوذ لها في المنطقة المغاربية.

وللمفارقة، إن ليبيا هي الدولة الواقعة بين مشروعي حكم فاشلين للإخوان المسلمين في تونس ومصر. من هنا، قد يجد إردوغان أن السيطرة على ليبيا يمكن أن تعيد مشروع الإخوان إلى الحياة في الدولتين المذكورتين. 

تجد هذه القراءة سندها في الموقف الحاد الذي اتخذته مصر، من خلال دعم حكومة بنغازي والقبائل الليبية في المنطقة الشرقية، واستعداد القاهرة إلى الذهاب بعيداً بالتدخل المباشر، لمنع التمدد الذي دعمته تركيا لمقاتلي حكومة الوفاق نحو سرت والجفرة في وسط البلاد. 

إن موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونشاطه الكبير هذه الأيام، وانخراطه بهذا الاندفاع في الأزمة الليبية، عوامل تبرز مخاطر الفوضى الليبية، وتحديداً الدور التركي فيها، على الأمن القومي المصري، فمصر تعرف تماماً ما الذي يعنيه وجود تركيا على حدودها، وخصوصاً أن الأداء التركي في ليبيا غير ارتجالي، ولم يأتِ استجابةً لحاجة سياسية آنية، بل إنه يندرج ضمن سياق جيو-استراتيجي يعبر عنه مشروع إردوغان العثماني الجديد في المنطقة. 

إنّ استعراض إردوغان للحرس التركي بالزي العثماني بصورةٍ متكررة في المناسبات الوطنية، يؤشر على ما يدور في ذهن الرئيس التركي، فهو لم يعد يرى دولته كدولةٍ قومية لها نفوذ إقليمي، بل إن سياسته الخارجية تكتسب بصورةٍ متصاعدة معاني أكثر خطورة على الدول المحيطة بتركيا.

لكن تركيا لا تواجه مصر وحدها في ليبيا، فالقوى المتناحرة هناك تجعل معركة إردوغان ربما أكثر صعوبة من معركته في سوريا، فروسيا والولايات المتحدة وفرنسا (مع اهتمام كل أوروبا) ومصر والمملكة العربية السعودية والجزائر وتونس وغيرها من الدول، لها مصالح أساسية هناك، الأمر الذي يجعل من الساحة الليبية مساحة توتر مرشحة إلى أن تكون شديدة الخطورة على كل واحدة من الدول اللاعبة فيها. 

لكنّ المهم هنا هو أنّ إردوغان، بظروفة الداخلية والشخصية المقلقة، لا يبدو متراجعاً عن حلمه الكبير، ولو أوصله ذلك إلى القتال على جبهات عديدة، في سوريا وليبيا وأرمينيا وأذربيجان وقبرص، ومع الكرد، والمواجهة المتقطعة مع الغرب، لكن ليبيا قد تشكل مقتلاً في مسار مشروعه الكبير، وهذا ما يمكن أن يكون قد التقط أحمد داوود أوغلو نفسه إشاراته عندما نصح في 19 تموز/يوليو حليفه السابق إردوغان قائلاً: "لا تواجه مصر في ليبيا. هذه المواجهة ليست في صالح تركيا".

الميادين نت