طالب زيفا
المتتبّع لتوجّهات تركيا بقيادة أردوغان والحزب الحاكم، لا بد أن يضع عدّة تساؤلات مشروعة وملحّة لا بد من الإضاءة عليها ،ومدى إمكانيّة تحقّق الأهداف البعيدة لتدخّلات باتت سافرة مستغلّة ظروفاً دولية أقل ما يمكن وصفها بأنها حبلى بمتغيّرات تعصف بالمنطقة والعالم .
فهل ما يقوم به نظام أردوغان فعليّاً سيخدم الدولة التركيّة ومصالحها على المدى القريب المنظور؟
وهل الإدارة الأمريكيّة تشجّع أردوغان أم تنصب له فخاً سينعكس سلبياً على المنطقة وعلى تركيّا؟ أم أن الإدارة الأمريكيّة وجدت من يعبث بالمنطقة نيابة عنها لخدمة أهدافها وأهداف أمن إسرائيل لتبديد الطاقات، واستنزاف دول المنطقة فوجدت ضالتها بطموحات ومطامع أردوغان، والذي لا يمكن أبداً أن يُقدم على أية مغامرات دون ضوءاً أخضر؛ وأن كان بشكل موارب لتحقيق أهدافها بأقل الخسائر بتشجيع الاندفاعة التركيّة في غير منطقة؟
إنّ تركيا التي كانت شبه غائبة عن كثير من ملفات المنطقة منذ الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي ،بفعل الصراع على السلطة وفترة الانقلابات ،والبحث عن هوًية من انقلاب كنعان إيڤرين  حتى توركوت أوزال لتانسو تشيلر لمسعود يلماظ، ومرحلة المخاض العسير
والانتقال من الدولة العلمانية منذ كمال أتاتورك بعشرينات وثلاثينات القرن الماضي مروراً بالحرب العالميّة الثانية حتى صعود أربكان بحزب الرفاه الإسلامي ،الذي حاول المواءمة بين تركيا العلمانيًة ولو ظاهرياً، وانتقال تركيّا فعلياً إلى الدولة الإسلاميّة المعتدلة بحيث يتقرّب من الاتحاد الأوروبي بصفة أن تركيا جزءاً من حلف الناتو كخط مواجه  لروسيا، وكمدخل للدول العربيّة بعد الفشل في عضويّة أصيلة في الاتحاد الأوروبي.
 حتى جاء حزب العدالة والتنمية للحكم في ٢٠٠٢ والذي بدأ بتغييرات جذريّة في مجمل السياسات التركيّة وتحويل تركيّة لدولة بنظام رئاسي والتخلّي عن علمانيّة الدولة وتشجيع (ثورات الربيع العربي)ومحاولة أخونة تركيا وقلب أنظمة الحكم ليكون لها طابعاً إسلاميّا أخوانياً مواجهاً للوهابيّة السياسيّة وللأنظمة العلمانيّة في الدول العربيّة ،وفرض نمط إسلاموي مستغلّاً فوضى(الربيع العربي) وتجديد مبدأ الخلافة الإسلاميّة على النمط العثماني فكان لا بد من دعم كل الفصائل والأحزاب ذات النهج الإسلاموي، وليظهر وكأن تركيًا بقيادة حزب العدالة ذو التوجًهات الإخوانيّة كحل لكل مشكلات المنطقة (الإسلام هو الحل).
كان لطريقة وصول حزب العدالة والتنميّة إلى حكم تركيا أثره الكبير في غير بلد عربي وإسلامي .
هذه التوجّهات لاقت قبولاً وبديلاً ممكناً لدى بعض القوى في بلدان عربيّة أسوة بالتجربة التركيّة.
 كما لاقت قبولاً من الإدارات الأمريكية رغم خلافاتهم الحادّة مع النزعة الطورانيّة المتجدّدة ذات الطابع الديني وشعاراته البرّاقة حول الموقف (المخادع)للرئيس التركي في مؤتمر دافوس حيث بدا وكانّه المدافع عن القضيّة الفلسطينيّة.
 لكن على المنظور تبيّن بأن سياسة أردوغان في المنطقة تخدم بشكل أو بآخر السياسات الأمريكيّة من خلال :
منع أي تقارب حقيقي مع روسيا العلمانيّة.
ومن خلال اصطداماً أيديولوجياً عقائدياً مع إيران ذات التوجّه الإسلامي المختلف وإيقاظ الحروب الطائفيّة كما جرى في حقبة بداية التغلغل العثماني والصراع مع الصفويين والفرس في نهاية القرن الخامس عشر .
توريط تركيّا بصراعات تبدّد الطاقات وتّنشر الحروب في الدول العربيّة تحت عناوين لا تخدم قضايا المنطقة، خاصة صفقة القرن وتصفية القضيّة الفلسطينيّة نتيجة الصراعات الأيديولوجيّة (سنة وشيعة...أخوان ووهابيّة.. علمانيّة وإسلامويّة...قوميّة وطورانيّة..ودعم الجماعات المسلّحة والمتطرّفة).
تشجيع تركيا بقيادة أردوغان لمزيد من التورّط في ملفات المنطقة برعاية أمريكيّة واضحة لم تعد تخفى على باحث لزيادة بؤر التوتر والأمثلة كثيرة :
في سورية وليبيا والعراق والصومال والسودان ولاحقاً مع مصر حول الملف الليبي وحالياً مع إيران في الملف السوري اللبناني.
جر تركيا لحروب قد تطول مستغلّة الأبعاد الأيديولوجيّة في الصراع على قيادة العالم الإسلامي واستغلال الاندفاعة التركيّة (الاخوانيّة)لخدمة المشاريع الكبرى القائمة والقادمة والانتقال بالصراع ليتحوّل لحروب لن تخدم لا الطرف التركي ولا العربي أو الإسلامي بل العكس خدمة كبرى ل(إسرائيل)ولشركات السلاح الأمريكي والغربي عموماً  ولإضعاف الجميع بما فيهم التركي لذلك من هنا نلاحظ شبه الصمت(الخبيث)لأمريكا عمّا يجري في تسخين حرب يبدو بأنّها قادمة بين تركيا ومن معها ومحور مصر السعوديّة والإمارات ومن معهما...
فأردوغان بتدخلاته لن يخدم تركيّا بل سيجعلها أكثر تورّطاً في هذه الملفّات.
 وقد تتبدل التحالفات في حال نشوب صراع جديد بين مصر وتركيّا...يجدّد عمر الكيان الإسرائيلي ويبدّد ثروات المنطقة وقد يرسم خرائط جديدة لأن نتائج الحروب مختلفٌ ما بعدها.
أخيراً هل سيدرك أردوغان ويتعلّم من التاريخ كيف تم تقسيم الامبراطورية العثمانيّة(الرجل المريض) مطلع ١٩٢٠ وبالتالي من الرجل المريض إلى(الرجل المنفصم)؟
نأمل التعلّم من تجارب التاريخ ؛ومن مصالح الدول العظمى وأن تعود تركيا إلى جغرافيتها وحدودها لا أن تنفّذ خطط الأعداء،وتحمّل المنطقة مشاكل وحروب في غنى عنها خاصة بعد كوارث(الفوضى الخرّاقة)وليست الخلّاقة كما تمت تسميتها بحيث والتي ستصل شراراتها لتصيب الجميع ممن شارك بها أو تورّط بها.
وسيندمون حيث لا يفيد الندم.


طالب زيفا باحث في الشأن السياسي.