عرف العرب مجتمعات الإنتاج والمعرفة مبكراً، وذلك في مصر الفرعونيّة والعراق وسورية الطبيعية (حضارات آكاد وسومر وبابل وآشور وأوغاريت وآرام) وكذلك الأطراف الزراعية الجبلية في شمال أفريقيا واليمن، وكان الأبرز فيها المجتمعات التي تشكلت في إطار ما يُعرف بنمط الإنتاج النهري، وساهمت جميعها في الإرهاصات الأولى للنشوء القومي.

لاحقاً، ومع سيطرة الموجات الصحراوية على المشروع الإسلامي وتحولها إلى الإرهاصات الأولى لـ بيروقراطية قبلية إدارية عسكرية مقابل الشعوب المغلوبة، التي تعمل في الأرض وتوفر الخراج، تأسّست أولى المجتمعات الأبوية، التي لم تراكم أية تقاليد إنتاجية وظلت تعيش على ريع البلاد المفتوحة كما على عائدات الإيلافات التجارية الكبرى، وظلت تستفيد من تأويلات في غير مكانها لزعامة قريشية.

لكن أفول الإمبراطورية العربية مع تزايد الثورات في الأطراف وتبدّل طرق التجارة ودخول جماعات إسلامية غير عربية خلال الحروب الصليبية، نقل المجاميع الطفيليّة غير المنتجة، من الأب القريشي الحاكم إلى أبوية بيروقراطية عسكرية غير عربية، شكلت المقدمات الأولى لمزاحمة أشكال من الجيش لقريش وفق قراءات الجابري وحسن حنفي.

إلى ذلك، كان أكبر المستفيدين من تراجع العرب مع تحوّل طرق التجارة شمالاً (الإيلاف التاريخي)، هم الأتراك العثمانيون، لكن الأبوية العثمانية كانت هشة للغاية بل شكلت عبئاً على محاصيل الفلاحين عبر النمط الإقطاعي العثماني المعروف بأشكاله المتعددة (السلطاني، الزعامت، التيمار) مما سرع في ثورة الأبناء (الرعية العربية) على هذا النموذج الإقطاعي وصولاً إلى سقوطه على دفعات.

أيضاً، وبسبب الطابع المتخلف للإقطاع العثماني، لم يتمكّن العرب من وراثته في مناطقهم بشكل موحّد، كما فعل الألبان واليونان والبلغار، ولم يتمكنوا من استبداله بثورة صناعية برجوازية قومية كما جرى في مناطق أخرى، فوقعوا من جديد تحت استعمار آخر بديل للاستعمار العثماني هو الاستعمار الأوروبي.

ولم تفلح دولة سايكس بيكو القطرية (في شرق الوطن العربي) ولا المتحدات الجديدة شمال أفريقيا بعبور العصر من خلال دولة حديثة، وكان أكثر مَن عبّر عن هذه الحالة المفكران المغاربيان: الجابري والعروي، الأول في حديثه عن ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة وأقنعتها الحزبية والاقتصادية والايديولوجية، والثاني في حديثه عن الفوات الحضاري.

من المؤكد أنّ العرب في بلدان عديدة، مثل مصر وسورية والعراق والجزائر كما يلاحظ علي القادري في كتابه (تفكيك الاشتراكية العربية) قطعوا شوطاً في العديد من مجالات البنى التحتية والتعليم والصحة والإصلاح الزراعي والتحديث (غير الحداثة) إلا أن الدولة القطرية ظلت عاجزة عن مواصلة هذه المهمة التاريخية التي ارتبطت ولا تزال بالشرط الموضوعي كما عرفته أوروبا من جهة، وكما عرفته الصين وفيتنام من جهة أخرى كما يلاحظ الحافظ  وسمير أمين (التحرير والتوحيد والتقدّم).

في المحصلة ظل الطابع الأبويّ الريعيّ سمة عامة لكل الأنظمة العربية وكان من الطبيعي ان يصطدم مع (الأبناء) بعد تراجع هذا الطابع على دفعات، بدءاً بتداعيات الانهيار السوفياتيّ ووضع القوى العربية المشابهة تحت الحصار والابتزاز.

هكذا، راح الطابع الأبويّ الريعيّ العربيّ يترنح إما تحت ضغط خارجي، وإما تحت تحولات داخلية منها تفسخ الطبقة الوسطى والانتقال من دولة الخدمات الاجتماعية البيروقراطية إلى دولة الجباية والضرائب وتوصيات البنك وصندوق النقد الدوليين ووكلائهما.

فبدأت نذر الصدامات تتوسّع بين دولة الأب الريعية وبين مجتمعها وطبقتها الأساسية، الطبقة الوسطى، وكان الأخطر في كل ذلك تقاطع هذه اللحظة مع بضاعة الجماعات الأصوليّة والإسلام السياسي البريطاني –الأميركي – التركي كما طبخها برنار لويس وبريجنسكي.

وليس بلا معنى ان تراجع الأنظمة الريعية الأبوية ترافق في كل مرة مع غياب رموز هذه الأنظمة، كما مع انقلاب الأبناء على الأب بنفسه والمساهمة في رحيله، على نحو ما جرى في العديد من الشوارع العربيّة باسم ربيع الفوضى وجماعات كانفاسوالاتبور وفضائيّة ومحمية الغاز المعروفة.

ذلك ما يذكرنا أيضاً بما كتبه فرويد في (الطوطم والتابو) وببعض الأعمال الأدبية مثل اوديب لـ سوفوكليس، والأخوة كارمازوف لـ دستويفسكي، وجميعها تعالج الصراع مع الأب ثم الدخول في حالة من الندم بمقاربات مختلفة للموقف من الخطيئة والعقاب، كما لاحظت أكثر من دراسة للروائي والناقد العربي الأردني، غالب هلسا.

إلى ذلك، وفي ما يخصّ المشهد العربي الراهن والثورة على الأب الذي فقد وظيفته الريعية الخدمية، سواء كانت تعبيراً عن أشكال من رأسمالية الدولة او عن دولة الريع النفطي، فالبحث عن أب بديل أخذ أشكالاً متعددة، اختلفت بين النخب الانتهازية والتي تراوحت بدورها بين البحث عن أب ليبرالي او (انجؤوز غير حكومي) وبين الدهماء التي راحت تبحث عن أب إسلامي في غمرة التعبئة الطائفية وما اسماه ماركس وفورباخ بـ زفرة المخلوقات المعذبة.

هنا، وفي هذه اللحظة التاريخيّة، من العبث إنكار هذه الحالة أو إزاحتها إلى حالات متناثرة، فالوعي الجمعي غالبا ما يتجلّى بصورة حادة كهذه، وقد راحت جهات معروفة تعمّمه وتسوّقه على شكل استفتاءات في اتجاهات محددة مثل الإسلام السياسيّ وبضاعته الأكثر رواجاً في زمن الانحطاط السياسي والفقر المعرفي والثقافي، وأردوغان.

ومن المؤكد، انه لا الروائي الليبي ابراهيم الكوني في روايته (نزيف الحجر) ولا كولن ولسون في سيكولوجيا الجريمة ذهبا الى استخدام تعابير مثل سيكولوجيا القطيع كما عند لوبون ورينان.

واذا كان مفهوماً أن هذه السيكولوجيا تناسب الجماعات الاستهلاكية الطفيلية، التي لم تتعوّد على الإنتاج وثقافته وعقله، وعلى مفهوم الوطنية بالمحصلة، وظلت اسيرة لقوى ريعية تمارس عليها ابوية سياسية لقاء التواطؤ ضد الامة والمقاومة، فمن غير الأخلاقي توصيف ذلك في الحالة العربية.

ان البحث الجمعي العربي عن أب ريعي بديل مثل اردوغان، وبإسقاطات وتبريرات مكشوفة وهزيلة، تغرف من التعبئة الطائفية وتفتقد الى العقل الوطني، يجب ان يقارب كذلك من أزمة الأبوية العربية ومسؤوليتها.

الى ذلك، لا ندري بالضبط، اذا كانت الدراما التركية الشائعة والتي تنطلق غالبيتها من نقطة مركزية، قد تكون مبرمجة، هي تهميش الأب وتهميش الولادات الشرعية، تعكس ثقافة خاصة او تسعى عبر عمل مبرمج منظم الى تحطيم ثقافة الأب العربية، وجر الجمهور العربيّ الى هذه الثقافة، لا سيما في لحظة يتقاطع فيها فقدان الأمل مع اهتزاز الهويّة.

وفي الحالتين، على الباحثين عن أب عثماني أن يدققوا في ذلك فـ سكاتالوجيا الهزيمة لا تكون رومنسية ومثيرة للشجى دائماً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس رابطة الكتاب الأردنيين السابق وكاتب ومحلل سياسي أردني.