لا ينتقي العربُ من تاريخهم الاّ ما يخدم أمجادهم التي تحتمل جدلا كبيرا حول صحتها وشخصياتها الحقيقية. ولذلك فهم غالبا ما يدفنون الهزائم في الذاكرة ويهيلون عليها تراب الزمن، خلافا للشعب اليهودي الذي ما زال حتى اليوم يُلاحقُ من بقي على قيد الحياة من القيادات النازية ويحاكمهم.

هكذا انتهت الكارثة العراقية الكبرى كأنها حدثٌ عابر، لم يُلاحق بعدها احد ولم يُحاكم أي مجرم، ذلك ان المجرمين اتفقوا مع قيادات عراقية اوصلوها الى السلطة كي ترفع أي إمكانية لملاحقة أي جندي او ضابط او سياسي  ارتكب جرائم على ارض العراق . فما عاد أحدٌ يسأل عن الأسباب الحقيقية التي أدت الى الاجتياح وقتلِ نحو مليون ونصف مليون عراقي ثلثهم من الأطفال ، وذلك بالرغم من أن الاميركيين والبريطانيين أنفسهم أسقطوا ذريعة " تعامل صدام حسين مع القاعدة، وامتلاكه أسلحة الدمار الشامل" واعترفوا بأنها كانت كذبة استخبارية   

أسباب اجتياح العراق التي سرّعها الرئيس صدام حسين نفسه حين ارتكب خطيئة غزو الكويت، والتي جاءت بعد الاعتداءات الإرهابية على برجي التجارة في نيويورك، استندت في الواقع الى ٣ مرتكزات كبرى، أولها المصالح النفطية الاميركية لمنع الصين من الوصول بسهولة الى النفط العراقي ( وفق دراسة للخبير بيار تيريزيان)، وثانيتها ضمان المصالح الأميركية الكبرى من نشر قواعد وبيع أسلحة والسيطرة على تجارة ومعابر النفط، وثالثتها الأيديولوجيا التبشيرية التي جعلت جورج دبليو بوش يعتقد أنه "رسول الخير" ضد الأشرار في العالم، وهي الأيديولوجيا المستمرة بقوة في محيط الرئيس الحالي دونالد ترامب عبر انجيليين جدد اقتنعوا بان لا عودة للسيد المسيح بلا تحالف قوي مع إسرائيل لقيام الهيكل.

لم يجتح الاميركيون سورية ليس لعدم رغبة بذلك، او بسبب عدم الرغبة بتكرار تكاليف العراق كما يدّعي البعض ( فهي تكاليف دفعها العراقيون)، وانما لان ثمة أمورا طرأت لم تكن في حسبانهم، وفي مقدمها الانخراط العسكري الروسي المباشر في الحرب، بعد انخراط ايران وحزب الله، ثم لأن الجيش السوري بقي متماسكا ويقاتل بشراسة خلافا للجيش العراقي الذي تفكك سريعا، وثالثها ان الرئيس بشار الأسد لم يهرب كما فعل نظيره التونسي زين العابدين بن علي ولا تنازل عن السلطة كما فعل الرؤساء حسني مبارك وعبد العزيز بوتفليقة وعمر حسن البشير، وانما قاتل خصومها وبقي الجيش الى جانبه لا ضده ( خلافا لما حصل في الدول التي سقط رؤساؤها)  .هذه الأسباب اعترف بها غلاة الدبلوماسية الأميركية من هيلاري كلينتون الى روبرت فور ويضيفون اليها كما خصوم الأسد ان هذا الأخير بقي في السلطة لكن الثمن كان باهظا من الشعب السورية والدمار.  

 من سمات العرب أيضا أن كثيرا منهم  يغرق بالتفاصيل الآنية، فينقسمون مثلا بين مؤيد للقيادة السورية بقيادة  الأسد، ومناصر للمعارضة ( او بالأحرى للمعارضات المتنافرة). ويعتقدون ان هذا هو سبب الحرب وسبب وقوف دول الأطلسي الى جانب المعارضة، وكأنما الدول تتحرك وفق منظومة أخلاقية افلاطونية، لا بناء على مصالح تركل الاخلاق والمبادئ ركلا .

الواقع ان ما حصل في العراق، يتكرر في سورية لكن بلا حرب. ففي الأراضي السورية معابر نفط وغاز، وفيها روسيا المنافسة والصين الطامحة، وفيها ما يعيق الأيديولوجيا التبشيرية لأنه يعزز القوة الرادعة ضد إسرائيل وقد يهددها أيضا، وفيها طرق عبور السلاح من ايران الى حزب الله، اذا طرقٌ مقلقة لمشاريع إسرائيل.  

 
قالها آفي ديختر رئيس جهاز الشاباك ووزير الامن الاسرائيلي وعضو الكنيست سابقا منذ العام ٢٠٠٨ في محاضرته الشهيرة:" لقد حققنا في العراق أكثر مما خططنا وتوقعنا...والآن يجب اسقاط سورية اذا أصرت على مستوى تحالفها مع ايران وعلاقاتها مع حزب الله" ويضيف في مكان آخر :" أنا قلت لشارون إذا لم تنفع القوة مع العرب فسينفع المزيد من القوة".

الآن تدور على أراضي العراق وسورية حروب إقليمية ودولية عديدة، وتتصارع مصالح إقليمية ودولية متنوعة، من الأميركي والروسي والاوروبي  وصولا الى الإيراني والخليجي والتركي، من غير المنتظر انتهاء كل هذا قبل تحقيق إسرائيل حلمها الكبير الذي يتضمن في مراحله الحالية ضم الضفة الغربية وغور الأردن واستخدام جزء من الأردن كوطن بديل مع الاحتفاظ بالمناطق الحيوية او الغنية بالمياه من لبنان حتى الجولان.

يعتقد بعض العرب، ان انفتاحهم على إسرائيل مفيدٌ في الزمن الراهن، ويعتاد هؤلاء على فكرة ان الصراع انتهى فعليا، واما المؤمنون بعدم انتهائه فهم عمليا لا يفعلون شيئا سوى قلة قليلة بينهم ما تزال تشهر السلاح في لبنان او فلسطين.

الواقع ان الأمور ليست بهذه البساطة، فجوهر الصراع قابل للانتعاش في أي لحظة، ذلك انه مبنيٌ بالأصل على فكرة دينية تتناقض مع أفكار دينية أخرى ( إسلامية سنية وشيعية ومسيحية )، والعوامل الإقليمية والدولية التي أضيفت اليه، تزداد تعقيدا، ذلك ان دخول الصين وروسيا كقوتين كبيرتين منافستين لأميركا، جعل كل خطوة أحادية أميركية في دعم إسرائيل او ضد دولة عربية غير شرعية، اذا مؤقتة، ثم ان القهر الكبير اللاحق بالشعب الفلسطيني، والغضب الكبير الكامن في نفوس الشعوب العربية بسبب ازدياد الفقر والبطالة وغلاء المعيشة والامية والفساد، هما من النوع القابل للانفجار في أي لحظة.

 

بعد تحطيم العراق وسورية، تتسلط الأضواء على مصر والسعودية، وذلك مع دخول العامل التركي المُهدّد على الخط. هذا فتيل قابل للتفجير في أي لحظة كما تفجّر قبله الخلاف الخليجي المصري الإيراني...تزكية هذا الصراع مفيدة لمصانع الأسلحة العالمية ولكن ايضا للتنافس الصيني الروسي الأميركي الأطلسي.  الفتنة السنية-السنية مطلوبة بعد الفتنة السنية الشيعية.   

من السذاجة المطلقة اعتقاد بعض القادة العرب ان ما أصاب العراق وسورية وليبيا واليمن ( وقبلهما الجزائر) ولبنان وغيرها، لن يصيبهم، فما حصل بين مصر واثيوبيا مؤخرا بشأن سد النهضة، وما يحصل بين مصر والامارات والسعودية من جهة وتركيا من جهة ثانية، يؤكد أن لا تعامل دوليا مع أي دولة عربية على أساس التحالف او الصداقة ، وانما  يُنظر الى العرب فقط كورقة في صراعات الأمم...

 
الآن يرسمُ العالم خرائط جديدة من بكين الى موسكو فواشنطن وببروكسيل ومن انقرة الى طهران فتل أبيب، كل طرف يستخدم أوراق القوة والتفاوض، ليس مطلوبا من العرب ان يتوحدوا حول موقف واحد طالما ان هذا مستحيل( فسوريا والعراق البعثيان تقاتلا قبل ان يقاتلهما الآخرون) ، لكن عليهم فقط عدم الغرق في أوهام سقطوا فيها مرارا، ومفادها أن ثمة دولا عربية ستدفع ثمن الصراع العربي الإسرائيلي وأخرى عربية ايضا ستقطف ثماره.

الواقع ان الفارق الوحيد بين دولة عربية وأخرى، هو الزمن فقط. منها ما ضُرب الآن ومنها ما سيضرب لاحقا، اذا بقي العرب على هذه الحال. أو اذا بقي عرب. ولبقائهم فان الحرية الحقيقية والديمقراطية والعدالة ومحاربة الفساد، هي شروط اساسية لصمودهم، ذلك ان هشاشة هذه الشروط فتحت الأبواب واسعة لكل محتل وطامع وغاز.   

 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم