الكاتب :مفيد الديك - إعلامي أميركي عربي ودبلوماسي أميركي سابق.

منذ البداية، لم تكن لدى دونالد ترمب أي سياسة أو ما يمكن وصفه باستراتيجية، لا قصيرة الأمد ولا طويله، في الشرق الأوسط، بل وحتى في العالم كله، في الواقع. هذا الرجل تصرف في السياسة الخارجية، كما في السياسة الداخلية، على أساس نزواته الشخصية، لا على أساس أي دراسة أمن قومي محكمة كما درجت العادة مع كل الرؤساء الأميركيين من قبله. وهو ألغى دور "المؤسسة" الأميركية في أي قرار اتخذه في السياسة الخارجية وهمش أدوار كل المؤسسات الأميركية العريقة في القرار السياسي الخارجي: لا دور لوزارة الخارجية ولا الدفاع ولا مجلس الأمن القومي ولا السي آي أيه، ألخ. وأوكل أعقد قضية مثلت تحديا عويصا للسياسيين الأميركيين على مدى سبعين عاما، الصراع العربي الإسرائيلي، لصهره عديم الخبرة والمعرفة بهذه القضية، سوى أنه متحدر من أسرة يهودية مؤمنة وداعمة للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، جاريد كوشنر!

وكان القاسم المشترك الأوسع الذي يجمع بين كل ما اتخذه ترمب من قرارات خاصة بالشرق الأوسط، بل والعالم أيضا، هو رغبته الجامحة في إلغاء كل ما كان سلفه الرئيس الديمقراطي باراك أوباما قد بناه بصبر وحكمة ودراسة على مدى ثماني سنوات: إلغاء اتفاق المناخ، الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، نقله السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بضم إسرائيل للجولان السوري المحتل ومحاولة السماح لحكومة اليمين في إسرائيل لضم أكثر من ثلث ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة. والآخر هو كيف سيفيد ترمب شخصيا من القرارات التي اتخذها في الشرق الأوسط لناحيتين: الأولى ماليا لخلق فرص العمل لمؤيديه، والثاني انتخابيا، ليضمن تأييد الإيفانجيليين الأميركيين له في انتخابات العام الحالي، بالنسبة إلى دعمه لإسرائيل وحكومتها اليمينية.

 
باختصار، تميزت تصرفات هذا الرجل في الشرق الأوسط خلال الثلاث سنوات ونصف الماضية من حكمه بالتالي:

·     دعم الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة بكل قوة ما دامت مستعدة للتطبيع مع إسرائيل؛

·     دعم إسرائيل بشكل غير مسبوق والضغط على الدول العربية للتطبيع معها وقبول صفقته التي أطلق عليها "صفقة القرن"؛

·     تحويل دول الخليج إلى لا أكثر من مجرد زبائن أثرياء لمشتريات السلاح الأميركي بمئات المليارات من الدولارات الأميركية؛

·     المساهمة بإرجاع إيران للعب دور "البعبع" ضد دول الخليج من أجل مواصلة حلبها ماليا؛

·     فرض منظور أن إيران هي "عدو" العرب في المنطقة، وليس إسرائيل، والترويج لسواد هذه السردية في الذهنية العربية.

أما الآن، وقد تبدلت الأحوال على ما يبدو بقوة، فكيف سيعالج "الرئيس" الديمقراطي جو بايدن هذه القضايا في المنطقة إذا ما قُيض له أن يكون رئيسا في تشرين الثاني/نوفمبر؟ قد يفترض البعض أنه، وبحكم أنه سياسي تقليدي مخضرم وخدم نائبا للرئيس أوباما لثماني سنوات، أنه سيحاول ببساطة إعادة عقارب الساعة إلى العام 2016 واستئناف العمل من حيث توقف أوباما. مع التسليم بأنه لن يبتعد كثيرا عن ذلك، فأعتقد أنه لن يستطيع القيام بذلك بحرفيته. والسبب أن الكثير، قد تغير في فترة ترمب.

إيران

في خطاب له في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية في العام 2018، أشار بايدن إلى أنه إذا ما عاد الديمقراطيون إلى حكم البيت الأبيض، فإنهم سيسعون إلى العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، على أساس أن ذلك هو في صلب مصلحة الأمن القومي الأميركي. ولكن مستشارين مقربين من بايدن أشاروا مرارا منذ ذلك التاريخ إلى أن فريق بايدن سيذهب إلى ما هو أبعد من مجرد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وأن هذا الفريق يقوم بتقييم الوضع الراهن مع الجمهورية الإسلامية، خصوصا لناحية تحليل التأثير الذي أحدثته قرارات ترمب ضد إيران، خصوصا "فرض الحد الأقصى من العقوبات عليها" ومحاولة استكشاف ما إذا كانت إيران ستقدم تنازلات أكبر في اتفاق يعاد التفاوض عليه مع إدارة بايدن. وعليه، فالتوقع هو أن الخطوة التالية بعد فوز بايدن ستكون "الإعلان" عن استعداد واشنطن للعودة إلى الاتفاق الإيراني، مع حليفاتها الخمس الأخرى، شريطة البدء فوراً بعملية التفاوض على اتفاق لاحق "محسن". وبعبارة أخرى، فإن سياسة بايدن ستسعى إلى العودة إلى الاتفاق النووي، ولكنها تتطلع أساساً إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى اتفاق أقوى بجداول زمنية مطولة، من شأنها معالجة إمكانية تعزيز العناصر الأخرى التي لم تتمكن إدارة أوباما من الضغط على إيران بشأنها في الاتفاق الأصلي، خصوصا البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم إيران لمليشيات مسلحة وأحزاب في المنطقة تعمل ضد حلفاء أميركا فيها. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان بايدن مستعدًا للموافقة على الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وتحت أي شروط، وهو الأمر الذي يعتبره العديد من المراقبين بمثابة تنازل أميركي خارق جعل الاتفاق النووي الذي وقعه وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري مع نظيره الإيراني جواد ظريف ممكنًا في العام 2015.

العلاقة مع دول الخليج

أول ما يتضح من سمات سياسات بايدن والعديد من السياسيين الديمقراطيين بشأن العلاقة مع دول الخليج، وخصوصا المملكة العربية السعودية، هو الاختلاف الواضح بين بايدن ومعسكره وسياسات ترمب والجمهوريين عموما من جهة أخرى، وهو الحرب في اليمن، والحد من مبيعات الأسلحة الأميركية للمملكة في ظل استمرار هذه الحرب. وقد أبلغ بايدن مجلس العلاقات الخارجية: "سوف أنهي دعم الولايات المتحدة لهذه الحرب الكارثية، التي تقودها السعودية في اليمن، وأطلب إعادة تقييم علاقتنا مع المملكة العربية السعودية." بل بلغ الأمر ببايدن أنه وصف في إحدى مناظراته مع المرشحين الديمقراطيين السابقين قادة المملكة العربية السعودية على أنهم “منبوذون” وقال إن "قيمة المردود الاجتماعي في حكومة المملكة العربية السعودية الحالية قليلةٌ جدًا." ومع ذلك، فقد لخص لمجلس العلاقات الخارجية الحاجة إلى استمرار العلاقة مع الرياض، إذا تم "تغيير" هذه العلاقة. وقال: "أود أن أرى كيف تنوي المملكة العربية السعودية تغيير نهجها للعمل مع إدارة أميركية أكثر مسؤولية." هذه الصيغة، والكثير من خطاب السياسيين الديمقراطيين في الكونغرس بشأن المملكة العربية السعودية واليمن وقضايا مماثلة خلال رئاسة ترمب، تشير في نهاية المطاف إلى معارضةٍ الديمقراطيين للنهج الذي اتبعته إدارة ترمب مع دول الخليج، بقوة، خصوصا العلاقات الخاصة التي أقامها ترمب وصهره كوشنر مع بعض قادة دول الخليج. وكما توحي هذه التعليقات، فإن ما تعنيه هو أن رئيساً أميركيا مختلفاً وسياسة خارجية مختلفة للولايات المتحدة هما المفتاح لإقامة علاقة "مصوبة" مع المملكة العربية السعودية والشركاء الخليجيين الآخرين. تحت إدارة بايدن.

جدير بالذكر أن بعض المراقبين السياسيين في الولايات المتحدة يعتقدون أن بعض دول الخليج العربية، أصبحت كرات قدم سياسية في الولايات المتحدة بين السياسيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ومؤخرًا بين الأمميين [الذين يؤمنون بالدور الدولي للولايات المتحدة] وبين أنصار "أميركا أولاً"، أي الانعزاليين من الجمهوريين وعلى رأسهم ترمب. هناك قدر كبير من العمل الذي ينبغي القيام به لإعادة بناء العلاقات مع الديمقراطيين والجمهوريين [الأمميين]، ومنهم السناتور النافذ ليندزي غراهام، الذي أعرب عن مواقف متشددة جدا ضد السعودية وضد سياسة ترمب تجاهها، خصوصا بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في أواخر 2018، وسوف تصبح هذه المهمة ملحةً أكثر في سياق رئاسة بايدن. لكن تهديدات الإرهاب الدولي والهيمنة الإيرانية وغيرها من المخاوف المشتركة توفر أساساً صلباً لإعادة إحياء الشراكة مع دول الخليج، إذا تمت إعادة تقييمها من جديد، في عهد بايدن.

سورية وليبيا

غالبية المحللين يتفقون على أنه، وكما كان موقف إدارة الرئيس أوباما التي كان بايدن جزءا أساسيا فيها لثماني سنوات كتائب للرئيس، فإن المرشح الديمقراطي سيتخذ مواقف مشابهة لمواقف إدارة في هذين البلدين. وحيث أن بايدن سيكون سياسيا تقليديا وهو ما يعني أنه سيعود إلى رأي "المؤسسة" في ما ينبغي أن تكون عليه سياسة الولايات المتحدة فيهما، فإن هذا سيفرض أن يكون التدخل الأميركي فيهما "هو تدخل الحد الأدنى" في سوريا، على أساس أن لا مصلحة قومية لأميركا في سورية، ذاتها وأن أهمية سورية تكمن في عوامل لها علاقة أكثر بجيران سوريا من سورية نفسها. وستتلخص أهداف إدارة بايدن في سورية بمواصلة محاربة داعش إن أطلت برأسها من جديد؛ حماية الحدود العراقية من أي تهديد لوحدة واستقرار العراق؛ تقليص المد الروسي في سورية، وأخيرا تقليم النفوذ الإيراني في تلك الدولة.

سياسة بايدن في ليبيا يُتوقع أن تكون مشابهة، وقائمة على نفس الأسس. غير أن بايدن، الذي سيعيد علاقة بلاده بروسيا إلى ما كانت عليه قبل ترمب، ربما سيكون متسقا سياسيا أكثر مع سياسة تركيا في ليبيا، أكثر من اتساقه مع سياسات مصر والإمارات العربية المتحدة في تلك الدولة. وعليه، فهو سيعمل هنا أيضا على محاولة دعم حكومة أوسع تمثيلا في ليبيا تحت راية حكومة الوفاق – أو أي حكومة أخرى تدعمها الأمم المتحدة - نظرا لعزمه على تقليص النفوذ الروسي في ليبيا النفطية، ومعه تقليص دور كل من مصر والإمارات في تلك الدولة نظرا لعلاقته المختلفة مع دول الخليج ومصر، عودة إلى ما كانت عليه علاقات إدارة أوباما بهذه الدول.

إسرائيل والفلسطينيون

النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني هو قضية أساسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ تأسيس إسرائيل العام 1984، لأسباب سياسية داخلية أساسا. وهذه القضية تشكل محور اهتمام كبيرًا لدول الخليج العربية، والتي دفعها ترمب بصورة مفضوحة  لتطوير روابط أقوى مع إسرائيل مقابل التوقف عما كان يهدد به هذه الدول في حملته الانتخابية العامين 2015 و2016.

بايدن وغالبية الديمقراطيين اتخذوا مواقف معارضة للقرارات التي اتخذها ترمب لدعم حليفه رئيس وزراء إسرائيل اليميني بنيامين نتنياهو، وأعاد بايدن شخصيا وعبر المتحدثين باسمه في الأشهر الأخيرة، رفضه لسياسات الضم الإسرائيلية الأحادية الجانب وشدد على أنه ما يزال ملتزماً بحل الدولتين. وعلاوة على ذلك، فقد قال إنه إذا تم انتخابه رئيسًا، فلن يكون ملزماً بكل ما "اعترف" به ترمب في السنوات الثلاث ونيف الماضية، وإنه قد "يلغي" أي خطوات من هذا القبيل. وعلى الرغم مما تتمتع به إسرائيل من قاعدة قوية من الدعم المحلي في كلا الحزبين، إلا أنها أصبحت أيضًا وبشكل متزايد، قضية خلافية بين الجمهوريين والديمقراطيين داخل الحزبين. ويشعر المؤيدون الأقوياء لحقوق الفلسطينيين في الحزب الديمقراطي بالقلق الشديد بسبب التزام بايدن التاريخي بأمن إسرائيل و”العلاقة الخاصة” بين واشنطن وتل أبيب، ولكن يبقى شبح رئاسة بايدن على الأقل بمثابة رادع لعملية إسرائيلية كبيرة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.

قد يكون من السهل على بايدن لجم إسرائيل عن محاولة ضم غور الأردن وفرض عملية سلام مجحفة لا مقومات لها على السلطة الفلسطينية، ولكنه قد لا يستطيع، أو قد لا يرغب، بإلغاء قرار الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن إليها. علينا أن نتذكر أن هناك قانونا سنه الكونغرس الأميركي في العام 1995 ينص على هذا الاعتراف ونقل السفارة، وكان على كل رئيس أميركي منذ ذلك أن يصدر بيانا خاصا كل ستة أشهر يؤجل فيه تنفيذ هذا القرار لستة أشهر، على أساس "المصلحة القومية الأميركية." وبالتالي فإن تمرير هذا القانون من قبل ترمب، دون أن يثير ذلك أي مشكلة لواشنطن، ربما يشجع بايدن على عدم إلغائه، إلا إذا ظهر موقف فلسطيني قوي، مدعوم عربيا بقوة، بأن لا مجال لإعادة إحياء أي عملية سلام إلا بعد إلغاء هذا القرار.

 

 

المصدر : 5stars