جمعتهما أمور كثيرة , تخطت العلاقات الثنائية والأطلسية والإستراتيجية والعسكرية والتجارية والإستعمارية .. واليوم تجمعهما الهموم المشتركة , فالكورونا ضرب ضربته في تركيا كما في أمريكا , فعدد الإصابات قارب الـ /200/ ألف في الأولى , وتجاوز المليون إصابة في الثانية , أما أعداد الوفيات فهي في تصاعد مستمر بما تجاوز الـ /70/ ألف حالة وفاة في أمريكا وحدها .. ناهيك عن فوضى البلدين في مواجهة الجائحة , بالتوازي مع إنكشاف تردي أوضاع قطاعيهما الصحي , وندرة الإستعدادات المسبقة , الأمر الذي دفع تركيا إلى قرصنة بعض سفن التجهيزات والمواد الطبية والكمامات المتجهة إلى غير دول , تحت عنوان إستعارتها وإعادتها , فيما هرعت أمريكا لقرصنة عقود الشركات المصنعة , تحت عنوان إحتكارها ومضاعفة مبالغ الحصول عليها , وفتحت أبوابها لتلقي المساعدات على عكس ما كان متوقع منها كدولة "عظمى".
وعلى الرغم من تأرجح الوضع الإقتصادي في تركيا , واستعداده للإنهيار في أية لحظة , سارع التركي أردوغان إلى إرسال المساعدات الطبية , وأرفقهما برسالة إلى الرئيس الأمريكي , تعدت موضوع التضامن و المساعدات , وطرقت أبواب العلاقات الثنائية وأهمية استمرار التحالف التركي - الأمريكي , أكد فيها وبشكلٍ قاطع وقوف تركيا "كشريك  قوي وموثوق به للولايات المتحدة" ، من الواضح أن أردوغان سعى عبر الرسالة لإستعادة رضى وثقة ترامب , ولتسجيل عتبه على الكونغرس الأمريكي وأمله بإدراك أهمية تركيا , وبإستمرار التحالف معها.
مالذي يحصل ...؟ أيُّ نوايا إنسانية حسنة تدفع تركيا إلى إرسال مساعداتٍ لا تملكها أصلا ً , وشعبها بأمس الحاجة إليها ..! وأي شكر وجهه صاحب "الفضيلة" بومبيو على تبرعاتها و:"صداقتها وشراكتها ودعمها" كـ "حليف أطلسي في أوقات الأزمات" ..! 
أيُّ ود وأيُّ صداقة , والخلافات بين البلدين أصبحت علنية , والتهديد بالعقوبات والمعاقبة الأمريكية أصبح خبرا ً مألوفا ً, بفضل إصرار الرئيس التركي على شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية  S-400, والذي اعتبرته الولايات المتحدة أنه لا يتوافق مع خصوصية واستراتيجية حلف الناتو , في وقتٍ تجاهل فيه أردوغان كافة التهديدات الأمريكية – الأطلسية , وسارع للحصول على الصفقة , وإلى فتح مروحة العلاقات التجارية الروسية – التركية أكثر فأكثر ..! 
هل أراد أردوغان أن يمنح ترامب شيئا ً من الطمأنة , ونوعا ًمن الدعم لمساعدته في مقاومة الدعوات والأصوات داخل الكونغرس , المطالبة بفرض العقوبات على تركيا ...
وأراد الإيحاء أو إبلاغ واشنطن بإمكانية إنفصاله عن روسيا عاجلا ً أم اّجلا ً , وتوجيه رسالة غضبٍ تركية حيال مواقف وسياسة موسكو في الأشهر القليلة الماضية تجاه سوريا وليبيا .. فقد كان يعول على تحرك روسي لمنع العملية العسكرية الأخيرة التي حرر من خلالها الجيش العربي السوري مساحات كبيرة تتعلق بالجغرافيا الإدلبية وبمشاركة روسية , ناهيك عن امتعاضه من الموقف الروسي في ليبيا. 
لم يعد بإمكان أردوغان إخفاء فشل أهدافه الجيوسياسية في سوريا وليبيا , بالإضافة إلى الضغوط والمعارك الداخلية التي يواجهها مع المعارضة والتي تستفيد من سوء إدارته للعديد من الملفات السياسية والإقتصادية والمالية وملف الكورونا أيضا ً, وارتفاع عدد الإصابات والوفيات , بما يضاعف أزمة الإقتصاد التركي التي يحمله غالبية الأتراك مسؤوليتها ... يبدو أنه اقترب كثيرا ً من الجدار المسدود , وباتت خياراته الداخلية محدودة وربما يائسة لتجنب الرياح التي يستشعرها , فيما تبدو خيارته الخارجية محصورة بإعادة فتح العلاقات مع واشنطن , التي تبقى الأقدر على صيانة الدمى التي صنّعتها حتى على شكل دول.
من الواضح أن أردوغان يملك مخاوف داخلية حقيقية , فتراجع الليرة التركية إلى ما يقارب الـ / 7 / ليرات مقابل الدولار الأمريكي ، أجبر البنك المركزي على تقهقر احتياطيات النقد الأجنبي من العملات الأخرى , وسط إعلان المعهد التركي للإحصاء عن إنخفاض الثقة بالإقتصاد التركي وتراجعها بمقدار الـ 50% خلال شهر نيسان الماضي , الأمر الذي دفع أنقرة لإجراء محادثات مع واشنطن لتأمين خط مقايضة مع مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي لم يدرج تركيا في برنامجه  الخاص لفتح خط الإئتمان لقبول العملات الأجنبية مقابل الدولار , ويأتي هنا السؤال منطقيا ً, هل ستكون مساعدات وكمامات أردوغان قادرة على إقناع ترامب بقبول وبتوجيه المصرف بفتح خط الإئتمان التركي؟
على الرغم من إعتقاد البعض بأن لعب تركيا على الحبلين الروسي والأمريكي والوقوف على مسافةٍ واحدة منهما سيجني لها الأرباح المضاعفة دائما ً, وسيعطي أردوغان فرصة التبختر كالطاووس داخل تركيا وفي الإقليم والعالم , إلا أن الواقع يؤكد من جديد أن أردوغان لا يستطيع الخروج من تحت العباءة الأمريكية , ويؤكد تقاربه مع روسيا والرئيس بوتين لم يكن ليس سوى محاولةً غبية لإستخدام روسيا كوسيلة للضغط على ترامب , خصوصا ً فيما يتعلق بسياسة تركيا في سوريا وغير مكان , متناسيا ً أن لا صديق لأمريكا وأن روسيا إنتشلته من مستنقع الإنقلاب الأخير , وأنه غير قادر على مواجهة غضب الزعيم الروسي والرئيس الأمريكي , وعليه تسديد الفواتير الباهظة لكليهما , وستكون فواتير أستانا وشوتشي أقربها للدفع , فلن يغامر ترامب بدعم أردوغان في سوريا على حساب خروج قواته المذل منها ومن المنطقة , وقد تبقى معادلة العلاقة التي تجمع بوتين وترامب "الجيدة جدا ً" – كما سبق ووصفها ترامب -  سارية المفعول.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
7/5/2020