قد سعى إردوغان وقادة العدالة والتنمية دائماً إلى كسب ود اللوبيات اليهودية التي ساعدته في الحصول على الدعم الأميركي طيلة الفترات الماضية وهو ما دفع الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان إلى اتهام هذه القيادات "بخدمة أهداف الصهيونية العالمية ومصالحها".

إردوغان وآل نهيان في خندقين معاديين منذ أن وقفت الإمارات الى جانب السيسي بعد انقلابه في ٣ تموز ٢٠١٣ حالها حال السعودية التي أصبح حكامها من آل سعود أيضاً أعداء اردوغان بعد أن أعلنوا بدورهم الإخوان المسلمين تنظيما إرهابياً.

فقرر إردوغان حينذاك الانتقام منهم بإعلان نفسه "زعيماً سياسياً وعقائدياً على جميع الإسلاميين في العالم"  وكان معظمهم طيلة 70 سنة ماضية موالين لآل سعود الذين كانوا  دائماً  في خدمة واشنطن بالمال والوهابية.

ومع أن الجميع كانوا في البداية في خندق واحد في سوريا ضد الرئيس الأسد ومن يدعمه أي إيران وحزب الله وروسيا فقد نجح إردوغان في السيطرة على المعارضة السورية بعد مصالحته مع موسكو التي سمحت له بدخول جرابلس في آب/أغسطس ٢٠١٦ وعفرين في كانون الثاني/يناير ٢٠١٨ وشرق الفرات في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩.

وساعد ذلك الرئيس إردوغان ليكون المقرر الرئيسي لمصير سوريا بعد أن أحكم سيطرته على جميع الفصائل المسلحة الموجودة على الساحة السورية ودخلها نحو ١٥ ألفاً من العسكر الأتراك بكامل أسلحتهم الثقيلة التي ساعدت إردوغان وبدعم الأجهزة الأخرى للسيطرة على الشمال السوري في جميع المجالات.

وجاء الخلاف السعودي -الإماراتي مع آل ثاني ليساعد إردوغان لتحقيق المزيد من المكاسب الإقليمية بفضل التمويل القطري الكبير وبضوء أخضر من واشنطن صاحبة السيناريو المكشوف ولكلٍ فيه دوره المتقن!  

وتتالت الأحداث فاستغل الرئيس إردوغان هذا السيناريو الذي كتبته واشنطن في قمة مشروع  الشرق الأوسط الكبير في سي ايلاند في حزيران/يونيو ٢٠٠٤ وجاء بعده الحديث عن شرق أوسط جديد  ولحق بهما الربيع العربي الذي أراد الغرب من خلاله إيصال الإسلاميين الى السلطة وفق النموذج التركي العلماني الديمقراطي الإسلامي، ولكن في إطار ما يُسمى بنظرية الفوضى الخلّاقة التي أسهمت فيها تركيا عبر التدخل العسكري المباشر في سوريا والعراق وليبيا والصومال وقطر والتدخل المباشر وغير المباشر في تونس والجزائر ولبنان واليمن  وموريتانيا وجيبوتي " وحيث النجاحات والانتصارات  التي حققتها أنقرة بفضل جهاز الاستخبارات والتكنولوجيا العليا  التي تملكها" والقول هنا للرئيس إردوغان . 

وجاء اعتراف الرئيس ترامب نهاية ٢٠١٧ بالقدس عاصمة للدولة العبرية ونقله لسفارة بلاده اليها ليثبت صحة السناريو المكتوب أميركياً وهدفه تحقيق الانتصار الأكبر للصهيونية العالمية وبوسائل مختلفة لعب فيها كل دوره بذكاء وأحياناً بغباء مكشوف كما هي الحال فيما يتعلق بما يُسمى بصفقة القرن. 

وأما الرئيس إردوغان فقد هاجم القرار الأميركي ودعا الزعماء المسلمين إلى قمم عاجلة في اسطنبول لم تسهم ولو " بمثقال ذرة"  في الدفاع عن القضية الفلسطينية والتصدي لأطماع "إسرائيل" في الجولان أو لبنان أو الضفة الغربية وهو ما تذرّع به آل نهيان للمصالحة مع تل أبيب التي تأخذ ولا تعطي أي شيء وكما هي الحال في اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو.

في الوقت الذي يعرف فيه الجميع وهو ما اعترف به نتنياهو أيضاً هو أن آل نهيان وآل سعود وآل ثاني وغيرهم من آل " آل " لات كانوا على اتصالات دائمة مع تل أبيب وعلى مستويات مختلفة بما في ذلك الزيارات السرية والعلنية التي توّجها نتنياهو بزيارة سلطنة عمان في ٢٦ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٨ بعد أشهر من الاحتفال بالذكرى السبعين لقيام الدولة العبرية وقبل فترة قصيرة من وفاة السلطان قابوس.

ولم يكتفِ نتنياهو بذلك وفاجأ الجميع في لقائه بالحاكم العسكري السوداني المدعوم من الإمارات والسعودية  في ٣ شباط/فبراير الماضي ليثبت للجميع أن إطاحة الديكتاتور عمر البشير قد جاءت لفتح الطريق أمام المصالحة مع تل أبيب بعد  أن خدم البشير إسرائيل عبر تدمير بلاده وتقسيم السودان.

 وساعد ذلك تل أبيب لتحقيق أهدافها في التحالف مع أديس أبابا في حربها المائية مع مصر التي يبدو واضحاً أنها ستندم على سلوكها ومواقفها المعادية للمصالح القومية يوم لن ينفع الندم.

فتأييدها السريع لتآمر أبو ظبي مع نتنياهو قد يساعدها لكسب ود اللوبيات اليهودية والمتحدث باسمها جاريد كوشنر صهر ترامب ولكن في نهاية المطاف ستدفع مصر الثمن غالياً لسكوتها على كل المؤامرات التي استهدفت سوريا من الداخل والخارج وهي تعلم أن ما تعاني منه هي الآن داخلياً وخارجياً سببه هو التآمر العربي وبشكل خاص الخليجي ضد سوريا الخندق الأمامي في مواجهة كل المؤامرات العربية والإقليمية والدولية التي كانت ومنذ البداية في خدمة "إسرائيل" في الاتجاهات كافة وبمساهمة الجميع.

ووضعت كل هذه التآمرات المنطقة العربية أي الشعوب العربية بين فكي الكماشة أو الكماشتين أي تركيا و"إسرائيل" وفي كلتا الحالتين سيبقى العرب بلا مستقبل وربما لعشرات السنين التي ستكون كافية لطمس الهوية الوطنية والقومية والدينية الحقيقية لدى شعوب المنطقة التي ما زالت تؤمن بأن الخطر الأكبر لهم جميعاً هو "إسرائيل" وهي أيضاً سبب مشاكلهم وفي مقدمتها الأنظمة الاستبدادية الفاسدة وفرضت عليهم الجوع والجهل والفقر.      

فعلى الرغم من "الفتور والتوتر" بين أنقرة وتل أبيب فالعلاقات على ما يُرام بين الطرفين وكما كانت عليه منذ الإعلان عن تشكيل العدالة والتنمية في ١٤ آب/أغسطس ٢٠٠١.

وقد سعى إردوغان وقادة العدالة والتنمية دائماً إلى كسب ود اللوبيات اليهودية التي ساعدته في الحصول على الدعم الأميركي طيلة الفترات الماضية وهو ما دفع الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان إلى اتهام هذه القيادات " بخدمة أهداف الصهيونية العالمية ومصالحها".

فقد حرص الرئيس إردوغان على علاقاته الشخصية مع الرئيس ترامب على الرغم من رسائل  التهديد التي بعثها له فيما يتعلق بأكراد سوريا وهو لم يمنع  التوافق التركي-الأميركي في شرق الفرات وليبيا وقطر حيث لأميركا قرب الدوحة  أكبر قاعدتين في الشرق الأوسط.

ولا تقل هاتان القاعدتان أهمية عن ١٢ قاعدة في تركيا بما فيها قاعدة مالاطيا التي تم إنشاؤها عام ٢٠١١ ومهمتها رصد التحركات العسكرية الإيرانية وبشكل خاص الصواريخ الباليستية في حال انطلاقها صوب "إسرائيل".

ومن دون أن تمنع مثل هذه المعطيات وتفاصيل أخرى العلاقات الإيجابية (اقتصادياً وتجارياً)  مع تل أبيب الرئيس إردوغان من "دفاعه المستميت" عن فلسطين ويقصد بذلك حماس ولكن من دون أن يلقي أي خطوة عملية في هذا الاتجاه باستثناء ضغطه على خالد مشعل لنقل مكاتب المنظمة من دمشق إلى الدوحة بعد ما يُسمى الربيع العربي الدموي.

وأراد إردوغان من خلال هذا الحديث أو الأحاديث الأخرى أن يكسب ود وتضامن الإسلاميين العرب بعد أن أبعدهم عن آل سعود ولكن من دون أن يخطر على بال أحد أن "إسرائيل" هي المستفيد الأكبر من كل تدخلات تركيا في المنطقة  والتي أدت إلى دمار دولها وخاصة خط الدفاع الأول سوريا وبدرجات أقل لبنان والعراق وليبيا ومن خلالها جميعاً مصر " أم الدنيا" التي منعت ناقلات النفط الإيرانية من المرور من قناة السويس وهي في طريقها الى سوريا المحاصرة وكما تآمر السادات على الرئيس حافظ الأسد بعد أن زار تل أبيب ووقّع على اتفاقية كامب ديفيد وهي السبب في الواقع العربي الحالي. 

كما يعرف الجميع أن حديث إردوغان الحماسي عن فلسطين يحمل في طياته منافسه حقيقية لإيران التي وقفت وتقف قلباً وقالباً مع نضال الشعب الفلسطيني منذ بدايات الثورة الإسلامية كما وقفت إلى جانب سوريا والمقاومة الإسلامية في لبنان وهي الهدف الحقيقي لكل التآمرات الصغيرة والكبيرة داخلياً وإقليمياً ودولياً والتي ما زالت مستمرة بالأحداث الأخيرة بعد انفجار بيروت. 

ومن الصدف أن إعلان الرئيس ترامب عن الحلقة الجديدة في صفقة القرن مع آل نهيان جاء بعد يوم من إعلان منافسه جو بايدن عن اختياره كامالا هاريس "المتصهينة " نائبة له وهو ما قد يعني أنها ستكون رئيسة لأميركا في حال وفاة بايدن أو إصابته بالخرف وهو البالغ من العمر ٧٧ عاماً ليتسنّى لها خدمة المشروع الصهيوني قلباً وقالباً!

وهو ما يثبت مرة أخرى سباق الجميع في أميركا كما هي الحال في العالم العربي والإسلامي لكسب ود ورضى وتأييد اللوبيات اليهودية التي بفضل تآمر الأنظمة تريد أن تقول للجميع  إنها قوية وهو ليس صحيحاً لولا خيانات أنظمة الخليج وتآمرها ليس فقط على شعوبها بل على الأمة العربية بأكملها كما هي الحال في سوريا والعراق وليبيا والصومال ولكل منها حكاية تحتاج لعشرات الكتب. وكما هي الحال في اليمن عندما تآمرت جميع أنظمة الخليج بما فيها آل ثاني على شعب اليمن كما تآمرت عليه للفترة  ١٩٦٣-١٩٦٨ بالتحالف مع بريطانيا و"إسرائيل" وشاه إيران ولم يقل أحد حينذاك إنه شيعي!

وأياً كانت تفاصيل كل المؤمرات وسباق الأنظمة فيما بينها في الخيانة والعبودية لأميركا أي "إسرائيل" فقد بات واضحاً أن المنطقة باتت أمام مؤامرة كبيرة  فيها لاعبان رئيسيان الأول  محمد بن زايد بخبثه ومحمد بن سلمان بغبائه وعلى الرغم من المنافسه القبلية الغبية بينهما وهو عرف تقليدي وريث الاستعمار البريطاني وكما هي الحال بين هذا الثنائي وآل ثاني الوهابي أيضاً.

فالمؤامرة لن تتوقف بالاعتراف بـ"إسرائيل" وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها وهو ما ستفعله لاحقاً السودان والبحرين وجيبوتي والمغرب ودول أخرى بل هي سترتقي إلى مستوى أخطر يهدف إلى تضييق الحصار مباشرة على إيران حتى يتسنّى على المتآمرين التخلّص من حزب الله الهم الأكبر والوحيد للدولة العبرية الصهيونية.

وهي المهمة التي ستوكل لآل سعود الذين سيفتحون بعدها  أبواب  "الحرمين الشريفين" لآل نتنياهو وأتباعه من الصهاينة المحتلين للقدس الشريف قبلة المسلمين الأولى.  

فالجميع يعرف جيدا أنه لا راحة للدولة العبرية وحليفاتها سرا وعلناً ولا ضمان لدولتها الكبرى من النيل الى الفرات إذا بقي حزب الله بوضعه القوي الحالي في لبنان والمنطقة.

كما يعرف الجميع أن لا راحة لـ"إسرائيل" باستمرار صمود الدولة السورية ومعها الحليف الاستراتيجي إيران التي كانت هدف الصهيونية والامبريالية العالمية بعد عام من قيام ثورتها التي تآمر عليها صدام حسين بدعم من أنظمة الخليج وهي ما زالت على المنوال نفسه.

في الوقت الذي كان فيه الرئيس الراحل تورغوت اوزال يستغل هذه الحرب عبر العلاقة مع المعتدي والمعتدى عليه بعد أن كسب ود اللوبيات اليهودية فأراد أن يضم الشمال العراقي إلى تركيا قبل ٣٠ عاماً.

فما أشبه الأمس باليوم ولا فرق بينهما وبين الغد أبدا !              

ويبقى السؤال الأخير والمحيّر هو: هل الخوف من إردوغان دفع الأنظمة العربية للمصالحة مع تل أبيب أم أن التدخل التركي في الدول العربية هو الذي تذرّعت به هذه الأنظمة فتآمرت على فلسطين والقضايا القومية فاستفادت "إسرائيل" من الجميع. 

وهو ما فعلته دائماً منذ قيامها ما دامت هذه الأنظمة تراوح مكانها بين العبودية والغباء منذ أن دخل المستعمر البريطاني إلى المنطقة وأصبحت الآن تحت رحمة اليهود وفق السناريو الأميركي الذي أتقن كل دوره فيه وكأن الخيانة حالة جينية لدى هؤلاء جميعاً ويعجز الطب البشري عن معالجتهم !

وأما الرهان الأخير فسوف يكون على مدى تمسك جميع أبناء الشعب الفلسطيني باختلاف ميولهم والتزاماتهم بقضيتهم التاريخية التي بات واضحاً أن لا انتصار لها إلا بالنضال المستميت ليس فقط ضد المحتل بل أيضاً ضد كل ما تحالف معه خلافاً لكل ما جاء في القرآن الكريم  وحقائق التاريخ العربي والإسلامي بأكمله الذي علمنا أن هذا الكيان ومن معه إلى زوال أبدي.

وإلا لماذا نحن مسلمون !    

الميادين نت