في 4 /10 /2011 أخذت روسيا والصين أول فيتو مزدوج في مجلس الأمن لدرء هجمة غربية كانت متوقعة على نمط تدمير ليبيا ضدّ سورية وشعبها، وأخذ التابعون والمنقادون وراء الأوهام الغربية بالتقليل من أهمية هذه الخطوة والإيحاء بأن هذه قفزة في الهواء وأن هذا التوجّه لن يستمر وأن الصين وروسيا لن تلبثا إلا أن تقتنعا بأنهما لا يمكن لهما الوقوف في وجه الإرادة الدولية التي ستفرض وجودها على سورية والمنطقة برمتها. وأتذكر عشرات التحليلات الصادرة عن المهزومين نفسياً والذين عكسوا إرادتهم المهزوزة على روسيا والصين وأجادوا باستقراءاتهم المغلوطة.
وها نحن اليوم وبعد قرابة تسع سنوات من ذلك التاريخ نشهد أن روسيا أخذت أكثر من 13 فيتو في مجلس الأمن لمصلحة الشعب السوري عاضدتها الصين في أكثر من عشرة منهم، وأتذكر أن مراسلي وكالات الأنباء في ذلك اليوم سألوني عن شعوري كامرأة سورية فقلت لهم: «إضافة إلى شعوري كامرأة سورية فإني أشعر أن العالم قد تغيّر اليوم وأننا نشهد بداية انزياح القطب الغربي الاستعماري الواحد عن الهيمنة على القرار الدولي وولادة عدة أقطاب؛ الأمر الذي يبشر بعالم أكثر توازناً وعدلاً». وقد شهدنا جميعاً ومنذ ذلك التاريخ التطورات على الساحة الدولية والجدل الذي نجم عن ذلك بين القوتين العظميين اليوم الصين والولايات المتحدة والتنافس في العلم والتقانة والميزانيات إضافة إلى منظومة القيم والسلوك.
كما أن روسيا اليوم تسجّل أول لقاح للوباء العالمي كوفيد- 19 وتذكّر العالم بإنجازاتها السابقة واللاحقة في الفضاء والعلوم والفنون؛ أي إن المعركة السياسية والعلمية والتقنية ما زالت مستعرة بين القطب الاستعماري العدواني الذي كان مهيمناً على مدى العقود الثلاثة الماضية وبين الأقطاب الصاعدة: الصين وروسيا، مع احتمال بروز أقطاب أخرى على الساحة الدولية وفي مقدمها الهند. في حمأة هذه التغييرات الجذرية التي تطرأ على الساحة العالمية والتي تعدنا جميعاً بعالم مختلف أكثر توازناً وعدلاً وتحرراً من الهيمنة العدوانية الاستعمارية الغربية والتي لبست لبوس الحرية وحقوق الإنسان وهي منها براء، في حمأة هذه التغيرات يختار الحكام الأعراب المستسلمون أن يشدّوا من عضد من استعمرهم واحتلّ أرضهم وما زال ممعناً في نهب ثرواتهم بكلّ الوسائل الممكنة، حتى لتكاد تكون ثرواتهم النفطية ومساندتهم الجذرية للدولار هي العامل الأهم الذي يرجّح كفة القطب الواحد اليوم الذي يمثل العدو الأساسي للوجود العربي، ويقف عائقاً في طريق التحوّل الذي تتطلع إليه البشرية جمعاء بتغيير التوازن الدولي إلى عالم متعدد الأقطاب حريص على شرعة دولية تتحقق فيها المساواة في الكرامة بين الدول غنيّها وفقيرها، صغيرها وكبيرها. وسواء أكان هؤلاء الحكام ومرتزقتهم دعاة الاستسلام مدفوعين بعامل الخوف أم الابتزاز الذي تتم ممارسته عليهم أو الحرب النفسية التي يبدو أنهم ضحاياها، فلا شك أن هؤلاء الأعراب يجدّفون عكس التيار والأهم من ذلك أنهم يجدّفون عكس مصالح بلدانهم وشعوبهم ومستقبل أجيالهم، وسواء عليهم أأدركوا هذا أم لم يدركوه فهذا هو الواقع الذي يغوصون به والذي يشهده ويدركه العالم أجمع ما عدا أنفسهم، ربما وكأنما هناك غشاوة على أعينهم أو أنهم يتمسكون بالعالم الذي يرغبون في بقائه حقيقة رغم انزلاقه من تحت أقدامهم وانزياحه عن المركز الذي يتخيلون.
وفي الأسابيع الأخيرة تتالت الأحداث التي تحاكي التغييرات التي شهدها العالم عام 2011 حيث أخذ الأعراب يفتحون أبوابهم لعدوّ أمتهم التاريخي ويتجاهلون الحقّ العربي في فلسطين والأراضي العربية المحتلة وحتى يتجاهلون كرامة العرب في توقيع اتفاقات مهينة مع العدو الذي لا يسمح لهم حتى بتحسين صورتهم بحجة هذه الاتفاقات بل يقف لهم بالمرصاد ليكذّب ادعاءاتهم عن مكاسب لهم أو لقضاياهم من هذه الاتفاقات، ويعرّي نفاقهم الذي ساد خطبهم وتصرفاتهم حيال شعوبهم، غير مدركين أنه لم يعد بإمكانهم اليوم تغطية شمس خيانتهم بغربال. وفي هذا التوقيت بالذات تفشل الولايات المتحدة مرتين في مجلس الأمن بفرض قرار ضدّ إيران؛ حيث لم تضطر الصين وروسيا هذه المرة لاستخدام الفيتو لأن مشروع القرار الأميركي لم يحظَ حتى بالأصوات التسع المطلوبة لكي يصبح قراراً، حيث يجب استخدام الفيتو ضده لإجهاضه، بل امتنعت بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن التصويت على حين صوتت روسيا والصين ضده، والدولة الوحيدة التي صوتت لمشروع القرار الأميركي هي جمهورية الدومينيكان وهي عضو غير دائم طبعاً في مجلس الأمن، والكيان الوحيد الذي كان يروّج لهذا القرار ويأمل في تبنيه وتمريره هو الكيان الإسرائيلي الغاصب الذي مُني مع الولايات المتحدة بنكسة غير مسبوقة في مجلس الأمن الدولي، على حين سجلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية وطبعاً الصين وروسيا انتصاراً جديداً غير مسبوق على الساحة الدولية.
في هذه الأجواء التي تتكسّر فيها هيمنة القطب الواحد وربيبته «إسرائيل» على وقع الصمود المطّرد للصين وروسيا وإحجام الدول الغربية عن الانسياق الأعمى وراء الولايات المتحدة، في هذا التوقيت يسارع حكام أنظمة عربية خليجية، وربما غير خليجية لاحقاً، للتمسك بأذيال العدو وعقد اتفاقات مهينة معه والكذب على شعوبهم وتغيير الوقائع والحقائق أملاً منهم في أن يساعدهم هذا الكيان بتحقيق علاقات أفضل مع القطب الذي «كان» وحيداً والذي يتفكك أمام أعيننا سواء من داخله أم عبر المحيط بعد أن بدأت الدول الغربية بالاستفاقة على مصالحها والبدء بفكّ الرباط المقدس الذي ولّدته الحرب العالمية الثانية بينها وبين الولايات المتحدة.
وفي هذا التوقيت بالذات يعلن رئيس وزراء الباكستان كما أعلن مهاتير محمد من قبل أنه ليطبّع من يريد مع «إسرائيل» فنحن لن نطبّع علاقاتنا معها، والتطبيع هو الكلمة الخطأ التي اختارها العدو الصهيوني بديلاً من كلمة «استسلام» لأن ما نرقبه اليوم من ترددات لعلاقات عربية مع الكيان الصهيوني هو استسلام للمحتلّ والمعتدي وليس تطبيعاً معه، والحيف يلحق ليس بالقضية الفلسطينية فقط وإنما بهوية وتاريخ وحضارة ومستقبل كلّ شعوب البلدان العربية المحكومة بأنظمة الاستسلام والاستبداد، هذا الحيف الذي سوف يدركونه ويلمسون أبعاده بعد سنوات من هذه المسيرة الخاطئة تماماً كما لمس كلّ من وقّع اتفاقاً مع «إسرائيل» بعد سنوات أو عقود من هذه الاتفاقات.
النصرة المطلوبة اليوم ليس لفلسطين الجريحة فحسب وإنما لمستقبل البلدان ذاتها التي تسعى لمساندة نظام دولي وقيمي هو في مرحلة أفول لا شكّ فيها عن مركز القوة والهيمنة على الساحة الدولية، على حين تدير ظهرها لأقطاب بدأت تحتلّ مكانتها العالمية وهي مصممة على تغيير النظم العالمية ما يوازي قوتها ودورها وإنجازاتها داخل بلدانها وأيضاً على الساحتين الإقليمية والدولية.
في خضمّ الأحداث التي ستقود حكماً إلى نظام عالمي جديد مختلف اختلافاً جذرياً عن العالم الذي نشأنا جميعاً في ظله، يختار الأعراب المستسلمون أن يقفوا مع الطرف الخاسر، لا لمصلحة تخصهم أو تعود بالفائدة عليهم وعلى شعوبهم أو على مستقبل أبنائهم، بل لأنهم خسروا المعركة قبل أن يخوضوها وانهزموا نفسياً أمام عدو يستخدم انفتاحهم عليه لتغطية عوراته الداخلية والإقليمية والدولية، وهم وكأنهم في غفلة عن حقيقة مجريات الأحداث في الإقليم والعالم.
إذا ما انفرط العقد الأوروبي الأميركي في فرض عقوبات على الدول وليس فقط على إيران فسنشهد جميعاً فراقاً عبر الأطلسي وعلاقات غير تقليدية بين دول أوروبية من جهة والصين وإيران وروسيا من جهة أخرى، واضطراد ارتقاء الشرق والدور الذي يلعبه على الساحة الدولية، وسيجد هؤلاء الأعراب أنفسهم من دون أي وزن يذكر على الإطلاق بعد أن اختاروا المسار الخطأ وفي التوقيت الخطأ ولأسباب مغلوطة ومشبوهة، وسيكونون في آخر عربة في قطار يصل إلى محطته الأخيرة، على حين تعمل الدول والشعوب على اختيار الحلفاء الذين يتصدرون اليوم عربات المستقبل؛ إذ ليس من قبيل المصادفة أبداً أن تكون أول وثيقة للتعاون بين «إسرائيل» والإمارات في مجال الأمن الداخلي، وإذا كان المكتوب يُقرأ من عنوانه فإن مثل هذا الاتفاق يمثل عنواناً لما تطمح له «إسرائيل» من سيطرة على الإقليم والتحكم بموارده وأهله وشعبه وثرواته تماماً كما فعلت خلال عقود بالشعب الفلسطيني المقاوم؛ فهل مَن يعتبر؟