أحمد الدرزي  

تقاوم دمشق الضغوطات التي تمارس من الأصدقاء والأعداء وهي تعتبر أن أمامها مرحلتين صعبتين، الأولى ستمتد حتى موعد الانتخابات الأميركية، والأخرى ستمتد حتى موعد الانتخابات الرئاسية السورية.

كان واضحاً للإدارة الأميركية في عهد أوباما أن موسكو متجهة إلى التدخل العسكري في سوريا قبل الإعلان الرسمي السوري-الروسي عن الاتفاق الذي تم بموجبه دخول القوات الروسية إلى سوريا، وإقامة القاعدة العسكرية الروسية الجوفضائية في مطار حميميم، تعبيراً عن استمرار الصراع بوسائل مختلفة، ما دفع الطرفين الروسي والأميركي إلى استمرار خوض الصراع السياسي في مجلس الأمن، والذي أثمر عن ظهور القرار الأممي 2254 في أيلول/ستمبر 2015، وتوافق عبره الطرفان على تشكيل لجنة دستورية ضمن إطار الحل السياسي للمسألة السورية.

ومن الواضح منذ البداية أن الطرفين تناولا الاتفاق بطريقتين مختلفتين، فاختلفت تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن نظيرها الروسي سيرغي لاڤروف، ولَم يكن البلدان الإقليميان الكبيران، تركيا وإيران، بعيدين عن هذا الاختلاف، فتأجل تشكيل اللجنة إلى ما بعد تغيير الوقائع الميدانية على الأرض، حيث كانت دمشق تسيطر على قرابة 17% فقط من مجمل مساحة سوريا، إلى أن استطاعت استعادة السيطرة على أكثر من 65% من البلاد، فتغير وضعها في مواجهة خصومها وأعدائها، واستطاعت فرض شروطها على آليات تشكيل اللجنة الدستورية، بحيث تحوز أكثر من 50% الأعضاء ضمن وفد صلب يمثل جهة وحيدة، على عكس الوفد المعارض المحمل بتناقضات الدول الداعمة المختلفة في ما بينها حول تصوراتها لمستقبل سوريا السياسي بما يخدم مصالحها، إلى حد النزاع في ما بينها في الداخل السوري وعلى المستوى الإقليمي، ما جعل دمشق وحلفاءها في الموقع الأقوى في تحديد مسارات عمل اللجنة بعد اجتماعها الأول في جنيڤ في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

 وقد ظهرت التباينات منذ اللحظة الأولى بين الوفود الثلاثة، والتي تمثل فعلياً وفدين متناقضين لا يمكن جمعهما، لعدم انتهاء العمليات العسكرية، وتشعب الصراع بين القوى الإقليمية والدولية في الساحات العراقية واللبنانية واليمنية والليبية، وعدم حسم المعارك العسكرية بين الأطراف المتصارعة بشكل نهائي، ما أبقى عمل اللجنة الدستورية السورية رهناً لغياب التوافق الدولي والإقليمي، وبالتالي لعبثية الاجتماعات واللقاءات المتكررة.
حصل اللقاء في اجتماع اللجنة الأخير، في ظل ظروف ضاغطة على الجميع، بفعل انتشار وباء كورونا في العالم، وما تركه من آثار كبيرة على إمكانية نجاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية القادمة خلال أشهر، بعد هبوط شعبيته الانتخابية إلى 41 نقطة مقابل ممثل الديموقراطيين جو بايدن، وهو في هذه الحالة يحتاج إلى مجموعة من الإنجازات في السياسة الخارجية.

 وقد نجح في خطوته الأولى بعد الإعلان عن تطبيع العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية. ومن المتوقع المزيد من إعلانات التطبيع مع بقية دول الخليج والسودان. 

ومن ضمن جملة طموحاته هو تحقيق إنجاز سياسي على المسار السوري، بالحصول على خطوة متقدمة في مسار الحل السياسي، ويسانده في ذلك كل من بنيامين نتنياهو ومحمد بن زايد ومحمد بن سلمان، ويلتقي معه موقف موسكو، التي تعتبر أن إمكانية التفاهم مع الإدارة الأميركية الحالية أسهل بكثير منها مع الديموقراطيين المعروفين بتشددهم ضد روسيا، وخصوصاً أن عودتهم ستحقق الانسجام بينهم وبين الدولة العميقة التي تريد الاستمرار بسياسات العولمة ومحاصرة موسكو، التي يعتبرون وجودها واستمرارها خطراً عليها، ما دفعها إلى تأييد خطوة التطبيع الإسرائيلية الإماراتية، وتمنّي انعكاس ذلك إيجاباً على استقرار الشرق الأوسط، وكذلك دفعها باتجاه عقد اجتماع جديد للجنة الدستورية، والدفع بها إلى إنجاز خطوة اتفاقية متقدمة بين دمشق وبقية الأطراف.

وعلى العكس من ذلك، تعتبر دمشق وطهران أن المخاطر الأساسية على سوريا لما تنتهِ بعد، وأن أعداء دمشق يسعون إلى حل سياسي يقضي على النظام السياسي الحالي، ويهدد شكل سوريا الذي يطمحون إليه بما يطرحونه من تصور له، يجعل الدولة قابلة للتفكيك من خلال طرح النظام الفيدرالي، ما يدفع القوى الإقليمية إلى أن تكون حاضرة في السياسة الداخلية والخارجية للدولة السورية، وخصوصاً أنقرة وأبو ظبي والرياض وتل أبيب.
هذا الأمر دفع دمشق إلى مقاومة الضغوطات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تمارس من الأصدقاء والأعداء، وهي تعتبر أن أمامها مرحلتين صعبتين، الأولى ستمتد حتى موعد الانتخابات الأميركية، والأخرى ستمتد حتى موعد الانتخابات الرئاسية السورية 2021، والتي تعمل دمشق من خلالها على استمرار النظام السياسي المركزي الذي من المفترض أن يحمي السوريين من تدخل الدول الإقليمية، باستخدام العوامل القومية والدينية والمذهبية.

ولن تقبل دمشق بأي حل سياسي قبل خروج الأميركيين والأتراك من المناطق التي احتلوها بشكل غير شرعي، وضبط الساحة الجنوبية التي يعبث بها الأميركيون والإسرائيليون. ولن يتم ذلك قبل حصول الانتخابات الرئاسية، وفوز الرئيس الأسد بولاية انتخابية جديدة، وفقاً لدستور العام 2012، ومن ثم يمكنه الذهاب باتجاه حوار حقيقي مفتوح في دمشق، مع شخصيات وقوى وطنية في الداخل والخارج، بعد وضع المبادئ الدستورية التي تحدد شكل الدولة السورية وموقعها الجيوسياسي ووظيفتها في غرب آسيا.

 ولن تكون اجتماعات اللجنة الدستورية سوى امتصاص للضغوط الكبيرة، والعمل على بقاء دستور 2012 مع بعض التعديلات، بما يحفظ جوهره العام. كل ذلك بانتظار ولادة النظام الدولي الجديد الذي تعول عليه كثيراً، لكونها مفتاحه وساحة الصراع والصدام بين القوى الدولية والإقليمية، فهل ستنجح دمشق بتجاوز المدة الزمنية الفاصلة ضمن المرحلتين المذكورتين؟

أحمد الدرزي - كاتب سوري 

الميادين