توّج الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون زيارته الاحتفالية بمناسبة مئوية الإعلان عن لبنان الكبير بالكشف عن العناصر الرئيسية التي تتحرك فرنسا على أساسها وترسم خطوطها، بما يشبه عقداً سياسياً لبنانياً دولياً يمتد لثلاثة شهور، يعود ماكرون في نهايتها إلى بيروت في أول كانون الأول المقبل، لوضع المرحلة الثانية من العقد السياسيّ التي تتضمن إطلاق مؤتمر سيدر وبرمجة المساهمات التي تضمّنها، وصولاً لموعد مناسب لم يفصح عنه لبدء الحوار السياسي حول الملفات الخلافية ومنها، قانون الانتخابات النيابية والاستراتيجية الدفاعية ودور حزب الله وسلاحه ضمنها، ورفض ماكرون دعوات عزل حزب الله، باعتبارها تنتهي بتعزيز قوته ولا تحقق تقدماً للذين يرغبون بهذا التقدم سواء نحو الإنتخابات أو نحو أي خيارات بديلة، كما رفض الازدواجية في مواقف تدعو للانتخابات المبكرة وترفض الإقرار بأن المجلس النيابي يعبر عن نتائج انتخابات ديمقراطية بداعي أنها تمت في ظل وجود السلاح. وقال ماكرون إن الخيارات هي بين طريق الذين يريدون الاكتفاء بتسجيل المواقف وقول الكلمات التي ترضي الغضب، لكنها لا تقدم شيئاً وربما تكون طريقاً نحو الانهيار، وكذلك نحو تقديم الخدمة لمن تعتبرهم المشكلة المطلوبة مواجهتها. وبالمقابل الطريق الذي قال ماكرون أنه يؤمن به، وهو طريق البحث عن كيفية كسر الحلقة المفقودة، ملمّحاً إلى أن فرنسا لا تريد أن ترى اللبنانيين يلجأون إلى فرنسا بقدر ما تريد رؤيتهم ينجحون في البقاء والتقدم في لبنان. وخريطة الطريق التي دافع عنها ماكرون، تقوم على عزل قضايا الخلاف والتركيز على القضايا الإصلاحية وإعادة الإعمار وتشغيل عجلة الاقتصاد وإصلاح النظامين المصرفي والقضائي، مشيراً إلى أنه يأخذ على عاتقه مسؤولية ضمان الدعم العربي والغربي كاشفاً عن تنسيق مع واشنطن والرياض وطهران، على قاعدة إشراك حزب الله في العملية الإصلاحيّة وعزل قضايا الخلاف بدلاً من السعي لعزله.

الرئيس الفرنسي الذي أجاب عن فرضية العقوبات التي تحدثت عنها وسائل الإعلام، نافياً تلويحه بها، ومضيفاً أن ما عليه إذا لم ينفذ المسؤولون اللبنانيون التزاماتهم مصارحة اللبنانيين والمجتمع الدولي بذلك كحكم، وعندها ستسقط خطة الدعم، وليتحمل الجميع مسؤولياتهم، أما العقوبات فهي ليست سياسة فرنسية إلا إذا أظهرت التحقيقات تورطاً للبعض في جرائم مالية أو إرهابية، لكن ماكرون أعرب عن تفاؤله بنجاح الخطة الفرنسيّة التي حازت وفق قوله على دعم خارجي واضح، وعلى التزام جميع الأطراف اللبنانية، وخصوصاً حزب الله بدعمها، منوّها بتفاهمه مع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وثقته بمؤهلات الرئيس المكلف مصطفى أديب.

خريطة الطريق التي رسمها ماكرون تتضمن تشكيل حكومة بدعم ورضا الأطراف النيابية خلال خمسة عشر يوماً، وإنهاء استحقاقات البيان الوزاري ونيل الثقة ووضع البرامج الإصلاحية في ستة أسابيع، وخلال هذه الفترة سيقوم المجتمع الدولي بالتجاوب مع دعوة فرنسية ثانية لمؤتمر لمساعدة لبنان وإقرار الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، وتكون عمليات التحقيق المالي في وضع مصرف لبنان والنظام المصرفي كما المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تتقدّم، لتتم زيارة ماكرون الثانية مطلع كانون الأول لإطلاق المرحلة الثانية التي ترتبط بخطط التمويل المقررة في مؤتمر سيدر خلال ثلاثة شهور ثانية وتقييم ما تمّ إنجازه سواء في الإصلاحات أو في إعادة الإعمار، وكان ماكرون واضحاً باستبعاد الانتخابات المبكرة لأنها لا تحظى بالإجماع، مشيراً لرفض حزب الله لها ضمن مجموعة من الأطراف السياسية التي تفضل بقاء الانتخابات في موعدها.

ربط ماكرون بوضوح مناقشة القضايا الخلافية ومنها قانون الانتخابات، والاستراتيجية الدفاعية وسلاح المقاومة، بتوقيت مناسب لجهة النجاح بإنجاز المهام الملحة للإنقاذ من جهة، وخلق مناخات من التوافق والثقة من جهة أخرى، ووفقاً للمصادر التي واكبت الزيارة فإن المبادرة الفرنسية تشكل طليعة تسوية خارجية أبعد من حدود لبنان، الذي تم التوافق على الحاجة لاختبار فرص التسوية من خلاله، انسجاماً مع أهميته من جهة، ومع إلحاح الحاجة لمنع تفاقم أزماته التي بلغت مرحلة حرجة من جهة أخرى.

في مئوية لبنان الكبير أبدى ماكرون استعداده لتنظيم مؤتمر دعم دولي جديد للبنان بين منتصف ونهاية تشرين الأول بالتعاون مع الأمم المتحدة. وقال ماكرون خلال حوار مع ممثلين عن المجتمع المدني والأمم المتحدة على متن حاملة المروحيات «تونّير» في مرفأ بيروت «نحن بحاجة إلى التركيز خلال الأشهر الستة المقبلة على حالة الطوارئ وأن نستمر في حشد المجتمع الدولي»، وفي حديث لمحطة فرنسية، قال من المرفأ: لا أعرف الرجل الذي تمّ تكليفه إثر الاستشارات وأتى نتيجة المشاورات ونأمل بأن يتحلّى بالكفاءة المطلوبة ولا بدّ من تشكيل الحكومة بسرعة وإصلاح قطاع الكهرباء ومكافحة الفساد وإصلاح معايير التعاقد الحكومي والنظام المصرفي. وأضاف «اقترحت آلية متابعة للأشهر القليلة المقبلة لأنّنا لن نحرّر أموال سيدر طالما لم يتمّ تنفيذ الإصلاحات». وتابع «لا أتساهل مع هذه الطبقة السياسية في لبنان ولا أستطيع أن أطرح نفسي كبديل عنها والانتخابات الجديدة هي المساحة التي سيعبّر من خلالها الشعب عن غضبه وعليه أن يُفرز مسوؤلين جدداً». واعتبر ماكرون ان «حزب الله» هو حزب يمثّل جزءاً من الشعب اللبناني وإذا لم نُرد أن ينزلق لبنان إلى نموذج يسيطر فيه الإرهاب على حساب أمور أخرى يجب توعية «حزب الله» وغيره من الأحزاب إلى مسؤولياتها».

وعقدت قمة لبنانية – فرنسية بين الرئيسين ميشال عون وماكرون في القصر الجمهوري في بعبدا، وانضمّ رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الخلوة الثنائية بين الرئيسين. وخلال غداء أقامه على شرف نظيره القى الرئيس عون كلمة أكد فيها «ان املنا اليوم يرتكز على تشكيل حكومة جديدة تكون قادرة على اطلاق ورشة الإصلاحات الضرورية، من اجل الخروج بالبلد من الأزمة الحالية. والامل يكمن أيضاً في جعل آلامنا حافزاً يدفعنا الى ان نغدو دولة مدنية، حيث الكفاءة هي المعيار والقانون هو الضامن للمساواة في الحقوق. وانني تحقيقاً لهذه الغاية، التزمت الدعوة الى حوار وطني كي نبلغ صيغة تكون مقبولة من الجميع. فليكن الأول من ايلول 2020، محطة انطلاق للبنان جديد، حيث المواطن هو الملك وليس زعماء الطوائف: دولة حديثة تستجيب لانتظارات الشعب وتطلّعات شبيبتنا الذين هم مستقبل البلد.

إلى ذلك عقد ماكرون سلسلة لقاءات في قصر الصنوبر بدأها بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وفضلاً عن الطاولة المستديرة عقد ماكرون لقاءات ثنائية مع رؤساء الأحزاب الذين حملوا معهم أوراق عمل واقتراحات تتصل بما أسموه» أوراقاً إصلاحية» تتصل بإصلاح قطاع الكهرباء وتعزيز وتطوير القطاع الصحي ومحاربة ومكافحة الفساد والدفع نحو اللامركزية إدارية.

وقال ماكرون من قصر الصنوبر إن الرئيس المكلف مصطفى أديب يحتاج الى دعم ولست هنا لإعطاء خيار معين، فهذا ليس دور فرنسا. وقال إن تشكيل الحكومة يجب ألا يستغرق أكثر من 15 يومًا وما هو مهم هو خريطة الطريق وإذا نفذت القوى السياسية في لبنان التزاماتها فسنفي بالتزاماتنا ولن نقدم شيكاً على بياض واذا لم تنفذ الالتزامات نهاية تشرين الأول سأقول للمجتمع الدولي لن نستطيع دعم لبنان وسأقول من عرقل ذلك وأعلن ان خريطة الطريق تشمل إصلاح البنك المركزي والنظام المصرفي. وأعلن ماكرون أنه امهل السلطة 8 اسابيع لتنفيذ الوعود، قائلاً إذا ضلعت في الفساد فقد تكون هناك عقوبات، مشدداً على ان الطريق فتحت أمام لبنان من أجل التغيير وسأفعل ما بوسعي لإنجاح الأمر. ولفت ماكرون الى ان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد تعهّد بالإصلاحات وعارض الانتخابات المبكرة.

وعلمت «البناء» أن الرئيس ماكرون الذي أعرب خلال خلوته مع الرئيس عون عن ارتياحه لطرح الأخير إقامة دولة مدنية، وكرر خلال لقاءاته مع رؤساء الاحزاب الموقف الفرنسي الحازم لجهة الإسراع في تنفيذ الإصلاحات لحصول لبنان على دعم المجتمع الدولي، مجدداً تأكيده ان المساعدات رهن الاصلاحات. وليس بعيداً أشارت مصادر متابعة الى ان ماكرون حث كل الأحزاب على تقديم تنازلات في ما تعتبره القوى السياسية مكاسب مشروعة لها في الحقائب غامزاً من قناة ضرورة اعتماد المناورة.

وسط هذه الأجواء، وبسبب الأضرار التي لحقت بالمجلس النيابي تنطلق في عين التينة اليوم عند التاسعة صباحاً الاستشارات النيابية التي سيُجريها الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة مصطفى أديب مع الكتل النيابية على أن تنتهي عند الرابعة عصراً بكلمة لأديب تتضمّن ملخص النقاشات التي أجراها مع الكتل السياسية حيال المرحلة المقبلة المتصلة بعملية التأليف وشكل الحكومة وأعضائها لا سيما أن كل المعلومات تؤكد أن الحكومة سوف تتألف من اختصاصيين مستقلين وأن عملية التشكيل سوف تكون سهلة ولن تأخذ أكثر من أسبوعين. وكان الرئيس المكلف زار أمس، مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى، وقال رداً على سؤال «الوقت اليوم ليس للكلام بل للعمل، وبهمة الأوادم وبدعم الجميع نتوصل إلى تشكيل الحكومة».

واشارت مصادر مطلعة لـ«البناء» الى ان التوجه الراهن نحو تأليف حكومة متجانسة من مستقلين وأصحاب الكفاءات من اجل اتخاذ القرارات اللازمة المتصلة بإيجاد الحلول والمعالجات الصحيحة للمشكلات المتراكمة لا سيما أن سياسة المحاصصة في تقاسم الوزراء وفي التعيينات أثبتت فشلها وأوصلت البلد الى ما وصل اليه، معتبرة ان الإصلاح سيكون العنوان الأساس لعمل الحكومة العتيدة لا سيما أن الظروف القاهرة التي يمر بها لبنان لا تسمح له التلهي بملفات أخرى على سبيل المثال إقرار قانون انتخابي جديد أو التحضير لانتخابات نيابية خلال فترة سنة، مشدّدة على أن مهمة الحكومة العتيدة سوف تتخطّى المشاكل التي واجهت الحكومة السابقة في التفاوض مع صندوق النقد الدولي​ خاصة أن كل المعطيات تشير الى أن أموال سيدر أيضاً هي رهن نجاح التفاوض مع صندوق النقد.

وسط هذه الأجواء، وقّع وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني وفقاً لقرار مجلس الوزراء بتاريخ 28/7/2020، ثلاثة عقود تتعلّق بالتدقيق الجنائي مع شركة Alvarez & Marsal والتدقيق المالي والحسابي مع شركتي Oliver Wyman وKPMG. ولاحقاً، غرّد رئيس الجمهورية على حسابه عبر «تويتر» قائلاً: «تمّ اليوم توقيع عقد التدقيق المالي الجنائي، الخطوة المفصلية المنتظرة على طريق الإصلاح ومكافحة الفساد. وكما سبق وتعهّدت بمتابعتي له حتى يأخذ مجراه الى التوقيع، أجدّد التعهد الآن بمتابعتي له حتى يأخذ مجراه في التنفيذ».

مالياً أيضاً، أكّد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أنّ «زيادة رؤوس المال إلزامية للمصارف، ومَن لن يلتزم سيكون خارج السوق اللبنانية بعد شباط»، لافتاً إلى أن «أحدث قرارات بشأن متطلبات البنوك ستساهم في استقرار سعر صرف الليرة». وشدّد في حديث لـ«سكاي نيوز عربية»، على «وجوب إعادة نحو 30% من الأموال التي خرجت من البنوك اللبنانية»، موضحًا أنّ «حجم السوق السوداء لا يؤثر على أسعار العملة». وقال: الاحتياطات النقدية بلغت 19.5 مليار دولار عدا احتياطات الذهب، ولن نستخدم الاحتياطي النقدي الإلزامي. وأعلن التواصل مع البنك المركزي الفرنسي، قائلاً: «دفاترنا مفتوحة للجميع». وأمل سلامة في أن «تنفذ الحكومة المقبلة إصلاحات سريعة»، متمنياً التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي واستمرار المفاوضات.

البناء