د. محمد سيد أحمد

لا شك في أنّ سورية العربية ومنذ مطلع العام 2011 وبدء المؤامرة الكونية عليها وهي تعاني وتتألم، ومع مرور سنوات الحرب الكونية كانت المعاناة تزداد يوماً بعد يوم، وبالطبع لم يسلم شبر واحد من الأرض السورية وعلى كامل جغرافيتها من عبث الإرهابيين، الذين تمّ جلبهم بواسطة أطراف المؤامرة سواء الأصيل منهم كالأميركي والصهيوني أو التابع كالتركي والخليجي، وخلال سنوات الحرب صمد الشعب السوري صموداً أسطورياً وقدّمت العائلات السورية خيرة وزهرة شبابها كقربان دفاعاً عن التراب الوطني، ولا يوجد تقريباً الآن عائلة سوريّة وطنية صامدة على الأرض لم تقدّم شهيداً في هذه الحرب. وهناك عائلات قدّمت عدداً من الشهداء وليس شهيداً واحداً فداءً للوطن.

ومع مطلع العام 2019 وفي ظلّ انتصارات الجيش العربي السوري المدوية على الجماعات التكفيرية الإرهابية التي تعمل بالوكالة لدى العدو الأميركي على كامل الجغرافيا السورية، قرّر الأصيل في هذه الحرب استخدام أساليب جديدة للعدوان على سورية بعد فشل مشروعه العسكري ووجد في ورقة الحصار الاقتصادي التي عرفت بـ «قانون قيصر» إحدى أهمّ أدوات الحرب الجديدة على سورية، وأعتقد العدو الأميركي أنّ ما لم يستطع تحقيقه عبر الحرب العسكرية الكونية على مدار ثماني سنوات يمكن تحقيقه بالحصار الاقتصادي في مدى زمني أقلّ.

 فالشعب السوري الذي زادت ثقته في قيادته السياسية عبر سنوات الحرب يمكن أن يفقد هذه الثقة مع تشديد الحصار الاقتصادي عليه مع عدم إتاحة الفرصة لحلول اقتصادية سريعة وناجزة من قبل الحكومة أمام المشكلات المصطنعة بفعل الحصار مثل غياب بعض السلع الأساسية من الأسواق خاصة المحروقات في ظلّ استمرار سيطرة العدو الأميركي ووكلائه المحليين والإرهابيين على آبار النفط السورية. هذا الى جانب استهداف العقوبات الاقتصادية مجالات استراتيجية حيوية كقطع الغيار في العديد من الصناعات، وسياسة التجويع بتعطيش الأسواق من السلع والمواد الغذائية، ومحاولة مدّ الحصار ليشمل الأدوية، وهناك تشديد لمنع تهريب السلع عبر دول الجوار الأردن والعراق ولبنان، وفي ظلّ هذا الحصار ترتفع أسعار السلع تدريجياً مع انخفاض سعر الليرة السورية، فيؤدّي التضخم والغلاء إلى زيادة المعاناة، وبذلك تنفجر الجماهير وتتحقق الفوضى التي لم تحدث أثناء سنوات الحرب، وعلى الرغم من الحصار الاقتصادي الرهيب على مدار العامين الماضيين إلا أنّ الشعب السوري لا يزال صامداً ويتألّم بصمت.

وعلى الرغم من تقديرنا لمعاناة الشعب العربي السوري بكامله، لكن تظل المعاناة والتضحيات نسبية وتختلف من بقعة جغرافية إلى بقعة جغرافية أخرى، لذلك أودّ اليوم تسليط الضوء على واحدة من المدن السورية الصغيرة لكنها عظيمة في صمودها وتضحيات أهلها. إنها مدينة مصياف يا سادة، مدينة الشهداء التى زرتها ثلاث مرات على مدار الأزمة كانت أولها في مطلع العام 2015 وآخرها في منتصف العام 2018، وعندما تتجوّل في شوارعها تجد صور الشهداء تزيّن جدران المدينة، وحين تتحرّك تجاه ريفها تتعلق عيناك بأعمدة الكهرباء المزيّنة بصور شهداء كلّ منطقة وقرية وضيعة تمرّ بها، لذلك لم أتعجّب عندما شاهدت السيد الرئيس بشار الأسد في منتصف العام 2017 يقود سيارته بنفسه مصطحباً عائلته ومتجهاً إلى ريف مصياف زائراً ومواسياً وداعماً لعائلات شهداء ومصابي الجيش العربي السوري.

ومدينة مصياف تقع جنوب غرب مدينة حماة على مسافة 48 كم، وترتفع عن سطح البحر بما يقرب من 450 متراً وتحيط بالمدينة مجموعة جبال أهمّها جبل المشهد وجبل عين الخنازير، وتأخذ المدينة موقعاً متوسطاً بين الجبال الساحلية والسهول الداخلية، وتتميّز بمناخ معتدل طوال العام مع سرعة الرياح والأمطار التي تجعل ريفها قطعة من الجنة، وارتبط اسم المدينة بقلعتها التي تربض في وسطها على كتلة صخرية امتدّت من الشمال إلى الجنوب وتعود إلى المرحلة الرومانية والبيزنطية وقد بُنيت كقاعدة عسكرية لتأمين الطرق العابرة من الساحل إلى الداخل.

وتنقسم مصياف وريفها إلى نواحي عدة هي: ناحية مركز مصياف، وناحية جب رملة، وناحية عوج، وناحية عين حلاقيم، وناحية وادي العيون، وتضمّ كلّ ناحية العديد من القرى. وقد عانت مصياف وريفها كثيراً سواء قبل الحرب وأثناءها على مستوى توافر الخدمات الرئيسية مثل شبكات الكهرباء والمياه والهاتف الأرضي الموسع والطرق والنظافة، واليوم تعدّ الصومعة، وبيصين، وطيرجملة، وعوج، وبشنين، الأكثر معاناة فلا توجد فيها آبار للمياه، والشبكات أصبحت قديمة ومهترئة، لذلك نحاول إيصال أنين وآلام أهالينا بمصياف وريفها لمزيد من الرعاية والعناية التي يستحقونها، فلا يزال العدو الصهيوني حتى اليوم يستهدف مصياف بقصف متكرّر لبعض المواقع العسكرية والعلمية، ولا تزال مصياف صامدة وتقدّم الشهداء وتتألم بصمت.  

 واليوم وبعد انتخاب مجلس شعب جديد وتكليف السيد الرئيس بتشكيل حكومة جديدة نأمل أن يقوما بدورهما في رفع المعاناة عن الشعب السوري عامة وعن سكان مدينة مصياف وريفها خاصة لما قدّموه للوطن من تضحيات خلال سنوات الحرب الكونية، فالمعاناة أرهقت كاهل الجميع، لكن تظلّ المدن والقرى البعيدة والنائية، بحاجة ماسة لجهود مضاعفة لتوفير متطلبات الحياة لمواطنين يستحقون الحياة، لأنهم أصحاب التضحيات الأكبر من أجل الوطن. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

البناء