الأداء الذي قدّمه منتخب إيطاليا في الفوز على هولندا غير مسبوق منه... بماذا يتميّز منتخب مانشيني؟

لا نكهة لكرة القدم من دون المنتخبات الكبرى وبينها منتخب إيطاليا. كان على عالم الكرة أن يتابع مونديال 2018 في روسيا من دون المنتخب الإيطالي وهو ما شكّل خسارة كبيرة للبطولة نظراً لتاريخ المنتخب المتوَّج بطلاً للعالم أربع مرات والذي قدّم النجوم الأفذاذ، وهو المنتخب الذي تسبقه هيبته إلى البطولات فيخشاه الجميع مهما كانت ظروفه والأمثلة كثيرة هنا إلا في حالات نادرة وأبرزها تصفيات مونديال 2018، إذ إن إيطاليا تبقى إيطاليا التي تتميّز بالكرة الدفاعية والروح العالية والقتالية للفوز فيما يصطلح الطليان على تسميته "الغرينتا".

بعد تلك التجربة المريرة في 2018 كان على إيطاليا أن تعود. مثل منتخب إيطاليا لا يمكن أن يغيب طويلاً عن الواجهة. كان واضحاً حينها أن جيلاً قد انتهى ولا بد من الانطلاق بجيل جديد ومع مدرّب جديد بعد "الكارثيّ" جيامبييرو فينتورا.

جاء اختيار روبرتو مانشيني على رأس الجهاز الفني للمنتخب الذي ارتدى قميصه سابقاً وهو الذي يمتلك تجربة غنية جداً مع الأندية الكثيرة التي قادها في مسيرته وأبرزها إنتر ميلانو ومانشستر سيتي الإنكليزي وليبدأ مشواره مباشرة بتحدّي تصفيات كأس أوروبا 2020 التي عادت نهائيّاتها وتأجّلت إلى صيف العام المقبل بسبب فيروس كورونا.

محصّلة "سكوادرا آتزورا" في التصفيات كانت مذهلة بفوزه بمبارياته جميعها والبالغ عددها 10 وهو ما لم يحصل في تاريخ المنتخب الإيطالي سواء في تصفيات كأس أوروبا أو تصفيات المونديال، فضلاً عن ذلك فإن اللافت كانت القوة الهجومية لمنتخب مانشيني حيث سجّل 37 هدفاً في المركز الثاني لأكثر المنتخبات تهديفاً في التصفيات بعد بلجيكا وبالتساوي مع إنكلترا مع احتفاظه بقوّته المعهودة في الجانب الدفاعي حيث لم تتلقَّ شباكه سوى 4 أهداف في 10 مباريات. كانت المرة الأولى التي نشاهد فيها منتخب إيطاليا يفوز بالتسعة والخمسة والثلاثة أكثر من مرة. لكن حينها قيل إن مجموعة إيطاليا في التصفيات ضعيفة وليس فيها منتخباً قوياً ما جعل المهمة سهلة للطليان، وفي هذا الكلام كان ثمة إجحاف لمانشيني ولاعبيه إذ لطالما كانت إيطاليا تواجه منتخبات من الصف الثاني والثالث وفي أحيان كثيرة لا تفوز بنتائج كبيرة وحتى تتعثّر.

الواضح أن شيئاً تغيّر وتطوّر في منتخب إيطاليا مع وصول مانشيني. التأكُّد من ذلك تأجّل بعد توقُّف المنافسات بسبب فيروس كورونا حتى جاء موعد المنتخبات أخيراً للعودة من خلال دوري الأمم الأوروبية.

لعب المنتخب الإيطالي مباراته الأولى أمام البوسنة والهرسك وانتهت بالتعادل 1-1، لكن يمكن القول أنه بعد فترة غياب طويلة للمنتخب وفقدان الانسجام بين اللاعبين وغياب العديد من الأسماء إما للإصابة أو تواجدها على مقعد البدلاء فإنه لا يمكن البناء على المباراة الأولى.

المباراة الثانية كانت أمس في أمستردام في ضيافة هولندا. الأمور تختلف كلياً هنا إذ هذه هي المواجهة التي كان ينتظرها الجميع لمعرفة مدى قوّة الطليان ومدى نجاحهم في تصفيات كأس أوروبا وذلك بمواجهة منتخب كبير وعائد بدوره بقوة إلى الواجهة بعد فترة تراجع.

ما يمكن قوله أن من شاهد المباراة أمس أُصيب بالدهشة لما قدّمه منتخب إيطاليا. نعم فاز "سكودرا آتزورا" 1-0 وتصدّر مجموعته وهذا مهم، لكن الأهم كان أداء اللاعبين والكرة الرائعة والمختلفة التي قدّمها المنتخب كما لم يفعل سابقاً. المنتخب الإيطالي حافظ على قوّته الدفاعية خصوصاً مع عودة القائد جورجيو كييليني إلى جانب ليوناردو بونوتشي وعلى "الغرينتا"، لكن الجديد هي الكرة الهجومية الرائعة والتي أتت لتؤكّد أن نتائج الطليان الكبيرة في تصفيات كأس أوروبا لم تكن بسبب ضعف منتخبات المجموعة بل بسبب وجود مانشيني.

لقد بدا التغيّر كبيراً على منتخب إيطاليا من خلال لمسة مانشيني الذي يختلف عن بقية المدرّبين الطليان بتوازنه بين الدفاع والهجوم وفلسفته التي تولي الكرة الهجومية أهمية على حساب الحرص الزائد الذي كانت تتسم به كرة منتخب إيطاليا وهذا يعود لكونه مهاجماً سابقاً وهو الهدّاف التاريخي لفريق سمبدوريا.

هكذا كان الأداء الهجومي حاضراً بقوة أمس والكرة الرائعة وغير المملة التي اعتدناها غالباً من منتخب إيطاليا. لم يكلّ ولم يملّ "سكوادرا آتزورا" من الهجوم أمس أمام منتخب قوي يُعرف بكرته الهجومية لكنه اضطر تحت الضغط الإيطالي إلى البقاء في منطقته غير قادر على تشكيل الخطورة على مرمى جيانلويجي دوناروما، هذا مع حفاظ الطليان على "الغرينتا" التي تمثّلت بالقتال على كل كرة وانتزاعها دوماً من الهولنديين وعلى الثبات الدفاعي مع تفوّق في خط الوسط بعد إشراك جورجينيو الذي غاب عن مباراة البوسنة والنشاط اللافت لنيكولو باريلا مسجّل الهدف بكرة رأسية رائعة.

دون مبالغة كان يمكن أن تفوز إيطاليا بثلاثية نظراً للفرص الكثيرة التي أُتيحت أمام لاعبيها وقد برز على وجه الخصوص الثنائي على الجهة اليسرى الجناح لورنزو إينسينيي وتحديداً الظهير ليوناردو سبينازولا الذي كان أداؤه في غاية الروعة من خلال انطلاقاته وتفاهمه مع إينسينيي، فيما كان لمشاركة الهداف تشيرو إيموبيلي أساسياً على عكس مباراة البوسنة أهمية نظراً لتحرّكاته بين المدافعين وقد صنع هدف باريلا، بالإضافة لمشاركة الموهوب نيكولو زانيولو أساسياً قبل إصابته وخروجه من الملعب علماً أنه كان قريباً من تسجيل هدف مذهل بتسديدة أكروباتية رائعة.

منتخب إيطاليا عاد. هذا ما يمكن قوله وتأكيده بعد المباراة أمام هولندا أمس. عاد وبقوة وبكرة مختلفة ومميزة مع مانشيني. هذا هو منتخب إيطاليا يعود سريعاً، ولهذا كان دوماً كبيراً.

الميادين