أدمون ملحم

يُجمع العلماء على أن سورية الطبيعية تشكّل وحدة طبوغرافية، جغرافية، تتحلّى بالخصب في سهولها وأنهارها وروعة إقليمها وتنوّعه. هذه البيئة الطبيعية التي خلقها الله روعة في الجمال، كانت دوماً مهبطاً للوحي والرسالات السماوية والثقافية المناقبية التي شعّت على العالم نوراً وصفاءً وإيماناً وعطاءً. وهذه البيئة الطبيعيّة التي احتضنت أقواماً وجماعات عديدة وكانت منبتاً للحضارة والخلق والإبداع، تغنى بها الشعراء وكتب عنها الأدباء وجاهد من أجلها رواد النهضة والمفكرين ووضعت المؤلفات عن تاريخها وإنجازاتها من قبل المؤرخين والمستشرقين وذُكرت في الكتاب المقدس مرات عديدة مثلما ورد في إنجيل مرقس عن المرأة الكنعانيّة من أصل سوري فينيقي ومثلما ورد في الإصحاح الرابع من إنجيل متى الذي روى بأن السيد المسيح كان يعلّم ويبشّر ويُشفي المرضى «فذاع صيته في سوريـة كلّها..».

وسورية، هذه البيئة الطبيعية الفريدة المتشابكة بالأنهر والغنية بالإمكانيات المتنوعة… هذه القطعة الجميلة المتماسكة التي تحيط بها جبال وصحارٍ من جهاتها الشرقية والشمالية والجنوبية والتي تختلف عن سواها بموقعها وشكلها وخصوبتها.. هذه البيئة الفريدة التي أهّلتها الجغرافيا للقاء مختلف السلالات البشرية وتمازجها ولنشوء المجتمع الإنساني الأول فيها الذي قدم للإنسانية أسس الحضارة ونقلها من الحالة البربريّة والبدائيّة الأولى إلى حالة الاستقرار والعمران والتمدن..  هذه البيئة المتميّزة بوحدتها الإثنية هي التي أطلق عليها المستشرق وعالم الآثار الأميركاني جيمس هنري بريستد (James Henry Breasted) عام 1906 تسمية الهلال الخصيب وهي التي كتب تاريخها المطران الماروني يوسف الدبس والمؤرخ السوري الكبير الدكتور فيليب حتي والمستشرق البلجيكي اليسوعي الأب هنري لامنس مؤكداً وحدة أراضيها ذات الحدود المرسومة بوضوح، ومستنتجاً «أنه إذا شاءت سورية الغد أن تحيا حياتها الخاصة، حياة شعب مزدهر، وأن تستعيد «فنون السلام» والمسار المتواصل لرسالتها التاريخيّة، فعليها ان تضحي بكل شيء للحفاظ على وحدتها الفريدة».(1)

وسورية الطبيعية هي أمة العقلِ والخلقِ والثقافة والإبداعِ التي تمتلك ماضياً حضارياً حافلاً يعود إلى الأزمنة السحيقة في التاريخ، أمة سخية، خيّرة، أعطت أعظم الرسالات وأنجبت العبقريّات الخلاّقة والحكماء والفلاسفة والقادة التاريخيّين أمثال سرجون الأكادي الكبير وحمورابي العموري المشترع الأول الخالد في تاريخ الإنسانيّة وهنيبعل أعظم نابغة حربي وزينون الفيلسوف السوري – الكنعاني واليسار بانية قرطاجة وزنوبيا ملكة تدمر ونبوخذ نصر وأشور باني بال ويوسف العظمة الثاوي في ميسلون.. وأعطت العظماء والمفكّرين والمصلحين والأدباء أمثال العلامة الدكتور خليل سعادة والمعلم بطرس البستاني صاحب نفير سورية والأديب أمين الريحاني الذي كان يعتّز بسوريّته أولاً والأديبة الكبيرة مي زيادة التي ناشدت أبناء جاليتها السورية في مصر بضرورة إغاثة سورية الجائعة والأديب الثائر جبران خليل جبران الذي قال بوحدة سورية الجغرافيّة واستقلالها وكتب عنها في يسوع إبن الإنسان وفي الأجنحة المتكسّرة وعمل جاهداً لإصلاح أوضاعها الفاسدة واستئصال الأضراس المسوّسة التي تفتك بها وتخدّر أبناءها.

موقع سورية الجيو – استراتيجي:

إن أهمية الهلال الخصيب تكمن في موقعه الجيو – استراتيجي الذي يشكّل عقدة الاتصال للعالم القديم والحديث ومفترقاً للطرق التجاريّة واصلاً الشرق بالغرب. فسورية المتميزة بوحدتها الجغرافية – الزراعية – الاقتصادية تمتاز أيضاً بموقعها الاستراتيجي الذي تطل منه على أهم البحار والذي يشكل نقطة الالتقاء والربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.. هذا الموقع الاستراتيجي– الحضاري الذي جرت عليه أهم حوادث التاريخ القديم وانطلقت منه مشاعل الحضارة الإنسانية التي أطلقها السوريون شرقاً إلى إيران والهند والصين وآسيا وغرباً إلى الشمال الأفريقي والإغريق والرومان وأوروبا.. هذا الموقع الذي يمثّل بموارده الطبيعيّة وثرواته الهائلة، وأهمها النفط والغاز والمياه، خزاناً غذائياً ممتازاً تحاول امبراطوريات اليوم، أي دول الاستعمار الحديث المتصارعة على النفوذ، السيطرة عليه ونهب ثرواته، تماماً كما حاولت الإمبراطوريات القديمة كالفارسية والرومانية والمقدونية –اليونانية وغيرها السيطرة عليه لحماية طرق المواصلات ولتأمين هيمنتها على المخزون النفطي والغازي وعلى المواقع الهامة والاستراتيجية وضمان أمنها الاقتصادي والعسكري.

البناء