باريس – نضال حمادة

أنتجت الحرب السورية عشرات آلاف المقاتلين المنضوين تحت عشرات الرايات والأسماء والمموّلين من أكثر من طرف، إن كان دولاً كما هي الحال مع قطر تركيا والسعودية، او عبر هيئات عسكرية أسست خصيصاً للحرب في سورية وعليها، كما كان الحال عبر غرفة الموك في الجنوب السوري والتي كان مقرها في العاصمة الأردنية عمان وغرفة الموم في الشمال السوريّ وكان مقرّها في مدينة غازي عنتاب في تركيا.

صناعة الارتزاق التي أسستها الدول التي خاضت الحرب ضد سورية أنتجت عشرات الآلاف من المقاتلين في سورية، سوريين وأجانب، كما انها أوجدت عشرات الآلاف من الشباب المستعدين لحمل السلاح لقاء المال أياً تكن المعركة. وبعدما اقتصرت صناعة الارتزاق هذه على الأرض السورية، طورتها تركيا خلال السنتين الأخيرتين فأنتجت من هذه المجاميع جيوشاً للقتال معها في عمليات عسكرية عدة تحت مسميات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، وانتقلت الى المجال الدولي خارج سورية عبر إرسال مئات المرتزقة من مسلحي الفصائل السورية المسلحة الموالين لتركيا إلى ليبيا للقتال الى جانب حكومة السراج القريبة من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا ضد قوات خليفة حفتر المدعومة من السعودية ومصر والإمارات.

مع بداية العام الحالي بدأ التدخل الفعلي التركي في الحرب الليبية وقامت أنقرة بإرسال عشرات المسلحين من الفصائل الموالية لها والمنضوية تحت راية تنظيم أطلقت عليه اسم الجيش الوطني السوري ويتألف من فصائل عدة حاربت مع الجيش التركي في عفرين وفي شرقي الفرات، وتكفلت الحكومة التركية بتكاليف كل المقاتلين ونقلهم وتسلحيهم وقدمت لهم مبالغ مغرية لتشجيع العملية حيث بلغ راتب المسلح 2000 دولار أميركي. وهذا يعتبر ثروة بكل المقاييس مقارنة مع الرواتب التي يتقاضاها مسلحو الفصائل الموالية لتركيا في مناطق عفرين وجوارها حتى الباب والتي تسمّى غصن الزيتون وفي مناطق درع الفرات الممتدة من عين عرب حتى مدينة الباب شمال شرق سورية والذي يبلغ راتب المسلح فيها 100 دولار أميركي لا غير.

هذه المبالغ الكبيرة التي تدفع للمسلحين السوريين لتشجيعهم على الذهاب للقتال في ليبيا ترجعها مصادر الى رغبة تركية في تثبيت أقدامها في ليبيا وفي أفريقيا عبر دعم جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا وفي تونس والتي تحكم البلد منذ سقوط الرئيس السابق زين العابدين بن علي عام 2010، فيما تشير مصادر تنظيم هيئة تحرير الشام النصرة والجماعات السلفية المحاربة في الشمال السوري إلى أن تركيا تنفذ بنود اتفاق سري مع روسيا وإيران تم عقده خلال جولات أستانة يقضي بإفراغ الساحة السورية من المقاتلين عبر إرسالهم الى ليبيا، حيث تعتبر الحرب هناك محرقة بكل ما للكلمة من معنى وتشبه مصادر الجماعات السلفية المحاربة الحرب في ليبيا بين حفتر والسراج بالحرب بين الغساسنة والمناذرة لا تبدو لها نهاية وبالتالي تعتبر محرقة مستمرة للمسلحين السوريين، حيث سقط خلال الأسبوعين الماضيين فقط حوالي مئة وعشرين مسلحاً سورياً في معارك طرابلس الغرب فيما بلغ عدد القتلى من المسلحين السوريين في ليبيا ثلاثمئة قتيل.

هذه المستجدّات الليبية تأتي في وقت تحاول كل من روسيا وتركيا تطبيق بنود مخرجات استانة في الشمال السوري وإن كان ببطء كبير، تجنباً لصدام عسكري حتمي في حال فشلت تركيا في ترويض هيئة تحرير الشام النصرة ومجاميع مسلحي السلفية المحاربة المتمركزين في ادلب وفي بعض القمم العالية في جبال اللاذقية..

البناء