عبد المنعم علي عيسى 


قبل بضعة أيام نشر موقع “خبر تورك” مقابلة مع أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الأسبق، والأهم من تلك الصفتين هو أن الأخير كان منظراً أول لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم لعقد على الأقل من الزمن، بل ربما يصح توصيفه أنه كان “الأستاذ” الذي يحل لرجب أردوغان مسائله الوظيفية البيتية عندما يعجز هذا الأخير عن حلها، وذاك بالتأكيد فعلاً كان كثيراً ما يحدث والحال عينه لا يزال قائماً إلى الآن، وإن كان “الطالب” قد عمد إلى تغيير “الأستاذ” الذي كان يقوم بتلك المهمة.
أهم ما قاله أوغلو في تلك المقابلة هو أن اجتماعاً للحكومة التركية كان قد انعقد في العام 2014، والاجتماع كان يهدف إلى الضغط على هيئة أركان الجيش التركي لـ”تحرير” محافظات حلب والرقة ودير الزور و”إخراجها” عن سيطرة الدولة السورية، إلا أن ذلك الاجتماع -وفق داوود أوغلو- لم يحقق الغاية المرجوة منه “نتيجة اعتراض العديد من القيادات العسكرية عليه”، ليتبين -ودائماً وفق تقديرات أوغلو- أن المعترضين كانوا يعملون لصالح تنظيم فتح الله غولن الذي قام أتباعه بانقلاب تموز 2016.
ثم يضيف داوود أوغلو: “لو خاطرنا قليلاً بالمجازفة لما آلت أمورنا في سورية إلى ما آلت إليه، ولكان لنا تأثيرنا وثقلنا في المنطقة أكثر مما هو الآن، ومن حيث النتيجة خسرنا حلب بسبب علاقتنا مع الروس، وها نحن الآن على وشك خسارة إدلب”.
انتهى كلام داوود أوغلو، وما يمكن استنتاجه منه عبر الفقرتين سابقتي الذكر هما أمران أساسيان: الأول هو أن التفكير بالسيطرة على إدلب لم يكن مندرجاً على لوائح الإستراتيجيات التركية، وإن كان ذلك قد حصل فهو من باب التكتيك لتحصيل “أوراق ضغط” على كل من دمشق وموسكو في ملفات داخلية مثل “ملف ” الجزيرة السورية، وأخرى إقليمية كانت التطورات تشي بأنها قادمة لا محالة.
أما ثانيهما فهو أن توقيت الكشف عن أمور بالغة الحساسية من نوع ما سبق يندرج في إطار الرؤية التي يعتمدها “المنظر” داوود أوغلو، والتي تقول إن النسيج الذي تقوم عليه سلطة أردوغان آخذ بالتهتك بفعل عوامل عدة لعل أبرزها هو أن التمددات الخارجية باتت تثقل كاهل “المحور” الناقل لحركة الأذرع ما يهدد بانكساره، ويزيد من خطر حدوث هذا الفعل الأخير غياب “اللاصق” الاقتصادي الذي كان قادراً في العديد من المراحل على جمع المتناقضات التي يصعب جمعها.
كان التحول الأكبر في تاريخ العلاقة التركية- الروسية الخاصة بسورية قد حصل في 5 آذار من هذا العام الذي شهد اتفاقاً بين أنقرة وموسكو حول إدلب، لكنه، أي الاتفاق، كان من حيث النتيجة قد أدى إلى ربط هذا “الملف” الأخير مع الملف الليبي الذي كانت حماوته تبشر بتصعيد غير مسبوق، وهو يتزامن مع تسجيل نقطة افتراق كبيرة فيما بين الروس والأتراك تبعاً للتناقض الحاصل في المصالح والرؤى والأهداف بين الطرفين، وذاك أمر لم يكن الأول من نوعه فقد أضافت التطورات إلى جعبة الافتراقات الحاصلة العديد منها في ملف بحر إيجة وشرق المتوسط صيف هذا العام، وكذا ملف إقليم “ناغورني قره باغ” المشتعل في خريفه .
ما يشي به التصعيد التركي الآن في الصراع الدائر قبل أسبوعين ما بين باكو ويريفان ينبئ بأن أنقرة ماضية في محاولاتها “إدخال عنصر جديد في التوازنات القائمة في المشهد السوري” للتأثير على اتفاق آذار سابق الذكر، من دون أن يعني ذلك أن هذا الفعل الأخير هو كل ما تهدف إليه أنقرة من ذلك التصعيد.
منذ صيف العام 2016 الذي شهد محاولة الانقلاب الفاشلة على نظام أردوغان، وهذا الأخير يعتمد في بقائه بالدرجة الأولى على الرافعة الروسية، والحاصل هو أن الروس كانوا راغبين في الإبقاء عليه رغم الافتراقات الحاصلة معه، إلا أن التصلب الروسي البادي في العديد من المحطات كثيراً ما كان يدفع بأردوغان لاتباع سياسة الهروب إلى الأمام التي تمظهرت بالعديد من المظاهر من نوع الرغبة في إشعال المنطقة، أو تغذية النار المندلعة في العديد من بؤرها، ويدفع أيضاً إلى الاستثمار بالدين لشد عصب الداخل التركي وشد عصب ذيوله في المنطقة كما حصل عند اتخاذ القرار بتحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد قبيل نحو شهرين من الآن.
ألا يشي الثقل الذي ينوء به “المحور” الحامل لأجهزة نقل الحركة والمهدد بانكساره، وكذا محاولات الهروب إلى الأمام، ومعهما محاولات الاستثمار بإرث إمبراطوري عفن، ألا يشي ذلك كله بأن راعي الخيمة يرى بأن الأخيرة باتت آيلة للسقوط، ولذا فإنه يعمد إلى تدعيمها ولو بأعواد هشة؟

تشرين