كي نضع يدنا على الجرح، يجب أن تكون المحاسبة عادلة، وبعيدة عن “طريقتنا” المعتادة التي قلّما أنصفت أحداً يوماً ما.. ولم تمنع خطأ أو فساداً من الاستمرار أو التكرار مجدداً!
ماذا يعني عادلة؟
المحاسبة واحدة من الملفات الداخلية التي يجمع عليها السوريون، بالنظر إلى حجم الفساد المستشري في المجتمع، والأخطاء والمخالفات المؤسساتية التي وسعت من الهوة بين المواطن ومؤسسات الدولة..
وعندما نتحدث أو نطالب بعدالة المحاسبة، فنحن بذلك لا نقصد فقط أن تأتي الإجراءات العقابية المتخذة أو الأحكام القضائية الصادرة ملبية لحجم “الغضب” الذي يعتري نفوسنا جراء الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب المعاش.. وإنما أن تصل المحاسبة للفاعلين الحقيقيين من مسؤولين وشاغلي مناصب ومراكز قوى غير رسمية..
ولهذا، فالمحاسبة عندما تتم، يجب ضمان استقلاليتها بالكامل.. من نزاهة القائمين عليها وكفاءاتهم، إلى منحهم صلاحيات ومسؤوليات بلا حدود تخولهم استجواب أي مسؤول مهما علا شأنه، والاستماع إلى أي شخص، وإلزام أي جهة بالرد وتقديم أي معلومة..
ثم تكون الخطوة الثانية المتمثلة في مقاربة الملف بكل تفاصيله ووقائعه المعلنة والمخفية، التسلسل الزمني للمشكلة، الجهات الرسمية وغير الرسمية المؤثرة في الملف.
فمثلاً في الحرائق الأخيرة التي أدمت القلوب، وما كشفته من تردّ تنموي في القرى التي طالتها ألسنة اللهب، لن تتحقق المحاسبة بإعفاء محافظ أو حتى وزير، أو إقالات بالجملة لمسؤولي الوحدات الإدارية، هذا في حال كان هناك اعتراف بوجود مشكلة..!
وإنما يمكن أن تتحقق مع لجنة عليا من خبراء البلد تتتبّع الوضع التنموي والخدمي لقرى الساحل مثلاً لفترة عقدين من الزمن.. ما نفذ وما لم ينفذ، احتياجاتها الحقيقية والاعتمادات المرصودة سنوياً، الجهات والقوى الرسمية أو غير الرسمية التي كانت تتدخل في إقرار وتوجيه المشروعات التنموية أو عرقلتها..إلخ، وما إلى ذلك من بنود ضرورية لرسم الصورة الحقيقية لأسباب التردي التنموي وتحديد المسؤولين عنه.
إذ لا يمكن محاسبة مسؤول عن ملف ليس هو الآمر الناهي فيه..
ولا يمكن تحميل مسؤولية تأخر تنفيذ مشروع لمسؤول.. لو نفذه متجاوزاً بعض الإجراءات فإن كل الجهات الرقابية ستلاحقه..
ولا يمكن محاسبة مسؤول غير جدير بما أسند إليه.. وترك من رشحه ودعمه ليصل إلى هذا المنصب..
باختصار شديد.. لا نريد “كبش فداء”.
عندئذ لا تتحقق فقط أمنية محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن الفساد والفشل، بل البناء على النتائج لوضع إستراتيجية تنموية جديدة قابلة للتنفيذ..
وهذا يمكن أن يطبق لاحقاً على جميع الملفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مقدمتها مناطق الريف “المظلومة” خدمياً في معظم أنحاء البلاد، رغم أنها مراكز الإنتاج الزراعي والصناعي، وصمام الأمن الغذائي والاقتصادي للبلاد بكاملها.

تشرين