دينا عبد 
يتأثر كل أفراد العائلة من دون استثناء بمن فيهم الأطفال بحالة وفاة أحـد أفرادها، وعلى الرغم مــن أنه وقت عصيب على الجميع، إلا أنه يجب الالتفات للأطفال لأنهم يتأثرون حتماً بالوفاة، وهذا التأثير يعتمد على جملة عوامل منها مدى قرب الشخص المتوفى من الطفل والعائلة وما دوره في حياتها؟ أو إذا كانت الوفاة متوقعة كأن يكون مريضاً.
الاستشاري التربوي أنس حتاحت يبين أن الكثير من الآباء والأمهات لا يعرفون كيفية التحدث مع الأطفال حول خبر الموت أو الوفاة أو أي حدث مؤلم، فقد يقولون لهم: إن الشخص الذي مات نائم أو مسافر وغيره من الإجابات غير المقنعة، والتي من الخطأ أن نقولها لهم. ويسأل الأطفال لكنهم لا يأخذون إجابة شافية من آبائهم، فهم يدركون أن الناس المتوفين لا يحتاجون للطعام والشراب ولا يرون ولا يسمعون ولا يتكلمون ولا يشعرون.
أما المراهقون فهم يدركون معنى الموت، كما البالغين، ويراعون مشاعر الآخرين، وأكثر الأطفال يُظهرون الغضب والقلق والحزن كرد فعل للموت، وهذا طبيعي لفقدان ذلك الشخص العزيز عليهم الذي كان ربما مصدراً للاستقرار والأمان لهم.
ويظهر غضب الطفل وحزنه من خلال توتره في اللعب، والكوابيس، فالقلق واضح أيضاً من خلال الكلام والسلوك الطفولي، وكثرة مطالبته للطعام وزيادة التعلق، فالأطفال الأصغر عمراً قد يتولد لديهم اعتقاد بأنهم سبب وفاة الشخص القريب لهم، أما المراهقون فقد يتعذر عليهم إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عن قلقهم ويعتقدون أن إظهارهم للقلق قد يسبب إزعاجاً للآخرين، وغالباً فإن ظــروف الوفــاة تؤثر في مــدى وقــعها على الأبناء، فقوة الصدمة كلما كان وقعها أقوى كلما كان تكيف الطفل أصعب، أو إذا كان حدوث الوفاة مفاجئاً وغير متوقع أو حدثت الوفاة نتيجة تأثير صدمة قاسية، فتأثير الحزن على أفراد العائلة هنا ينعكس على مدى قدرتهم على إعطاء الطفل الرعاية النفسية الكافية بعد الوفاة، ففي بعض الأحيان يحاول الآباء عدم إخبار أولادهم بما حدث من أجل حمايتهم حتى لا يتعرضوا للألم والمعاناة، لكن التجارب في هذا الخصوص أثبتت أن معرفة الأبناء بخبر الوفاة فور وقوعها تكون أفضل، ويجب على الآباء أن يُصغوا إلى مفهوم أطفالهم عن الموت والإجابة عن أسئلتهم وطمأنتهم، وغالباً ما يكون قلق الأطفال ناجماً عن كونهم سيفارقون الأحبة، فكلما كان مسموحاً لهم التعبير عن أنفسهم وتوضيح آرائهم من خلال اللعب كلما كانت إمكانية تكيفهم مع فكرة الموت أكثر، ويكونون أقل عرضة للاضطرابات العاطفية لاحقاً، ويجد الأطفال راحة كبيرة بوجود صورة فوتوغرافية للمتوفى، لكي يستطيعوا استرجاع ذكرياته، ومن المهم جداً اشتراك الأطفال في الطقوس والتقاليد والتشييع لأن هذا يساعدهم في التكيف، ولكن إذا لم يرغب الطفل بالحضور فلا يجبر على ذلك.
ويبين حتاحت أنه بمجرد قبول الطفل للوفاة كحقيقة واقعة ستظهر عليه مشاعر الحزن والغضب والقلق بين فترة وأخرى ولفترة طويلة من الزمن وفي أوقات غير متوقعة، وهنا يجب على الآباء أو من ينوب عنهم تقديم الرعاية النفسية المطلوبة والاهتمام اللازم بالطفل ويسمحوا له بالتعبير عن وجهة نظره وإظهار مشاعره من دون أن يسبب إزعاجاً للآخرين كما يعتقد.
بعض الأطفال يعتقدون أن المتوفى لا يزال حياً يُرزق وهذا الاعتقاد طبيعي في الأسابيع الأولى التي تلي الوفاة ولكن استمرار هذا الاعتقاد فترة أطول قد يسبب مشاكل كثيرة، فهذه علامات تنذر بعدم تكيف الطفل مع وفاة أحد الأقارب من الدرجة الأولى غالباً، ومن هذه العلامات الكآبة فترة طويلة مع فقدان الرغبة بأداء الأعمال الاعتيادية اليومية، وعدم الاهتمام بما حوله من أحداث مع عدم القدرة على النوم وفقدان الشهية للطعام، والخوف المتواصل من الوحدة، ويتصرف مثل الأطفال في مرحلة عمرية أدنى، وينفي أو ينكر وفاة أحد أفراد العائلة، ويقلد الشخص المتوفى على الدوام ويتكلم باستمرار عن رغبته بالالتحاق بالمتوفى والانعزال عن الأصدقاء، إضافة إلى تدهور واضح في الأداء المدرسي أو رفض الذهاب إلى المدرسة.
إن العلامات التي ذكرناها تؤكد أن الطفل يجب أن يُعرض على طبيب الأمراض النفسية لمساعدته على تقبل الوفاة، ويمكن لطبيب العائلة إبداء المساعدة من خلال إحالة الطفل إلى مركز الخدمات النفسية الذي يتألف من فريق عمل متخصص بالطب النفسي، أو عرضه على المعالج النفسي.

تشرين