نسمع في هذه الأيام الكثير من القصص التي تحاكي الكثير من المتغيّرات الحاصلة على الواقع من مناحي عدة، فمثلاً انتعشت في الآونة الأخيرة تجارة الأعضاء نتيجة لأسباب عدة في مقدمتها الفقر.
وتفيد التقديرات أن نسبة الفقر في سوريا حالياً وصلت حداً مخيفاً، مقارنة بأقلّ من 30% قبل عام 2011، ويترافق ذلك مع قلّة الإجراءات المتخذة لتحسين الوضع المعيشي، وتبخرها في تصريحات بعض المسؤولين، وعدم النجاح في إيجاد القيم المضافة خلال المشاريع والعمليات الإنتاجية.

وكشفت صحيفة البعث السورية انه وخلال استطلاعنا لآراء عدد من الأطباء، أكدوا لنا أن جريمة الاتجار بالأعضاء أصبحت تمارس بشكل علني أو شبه علني، حيث كثرت الإعلانات والطلبات عن أعضاء بشرية حتى في الطرق ضمن مدينة دمشق، بل وأصبح البائع ذاته يعلن أيضاً عن وجود رغبة لديه في بيع أعضائه مع امتلاكه تحليل أنسجة!. ولم تقتصر هذه الإعلانات على من يحتاج إلى كلية، أو قرنية، بل تعدّتها إلى إعلان البعض عن رغبتهم في بيع جزء من الكبد. وأكد بعض الأطباء أن هذه الظواهر تخفي ما هو أخطر منها، وما هي إلا طرف خيط يوصل لشبكات تشتري الأعضاء البشرية من المواطن السوري، وتبيعها داخل البلاد أو خارجها بأسعار مضاعفة بعد دفع مبلغ يعادل 15 ألف دولار ثمن الكلية مثلاً، وتستغل تلك المافيات غياب الرقابة بشكل تام!.

ومع تفشي الفقر توسّعت بشكل غير مسبوق تجارة الأعضاء البشرية في البلاد، حيث انتشر أطباء وسماسرة يقومون بإتمام عمليات البيع في المستشفيات، وذلك في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة، وقد أصبحت العملية أسهل وأرخص، للحصول على أعضاء السوريين، حيث يتمّ بيع الأعضاء عبر مافيات، ومنظمات طبية وغير طبية، بدءاً من الكشف على الضحايا وصولاً إلى إجراء العملية، وتكمن خطورة هذه التجارة في انتقاء الضحية، فهي تستهدف الأصحاء ومن هم في سن الشباب، لأن أعضاء المرضى غير مرغوبة لتلك المافيات التي تؤمّن الأفضل لزبونها، وتتمّ العملية عبر دول عدة هدفها التآمر على سورية بكافة الوسائل.

حالة مؤلمة
سمعت قصة عامل بـ”اليومية” دمّر الإرهاب منزله في منطقة حرستا، واضطر للسكن مع عائلته في منزل إيجار في أحد أحياء مدينة دمشق، ومن ثم اضطر لبيع كليته بمبلغ 30 مليون ل. س ليجري عملية قلب مفتوح لابنه الوحيد، وشراء الأدوية المساعدة له على الحياة، وليسدّد ما عليه من ديون متراكمة ومتفاقمة، لتتبعه زوجته بالفكرة نفسها التي عدّتها فكرة لامعة تتغنّى بها، حيث عرضت كليتها للبيع بالمبلغ نفسه، ولكن ليس لسداد الديون أو لإجراء عمل جراحي لابنها هذه المرة، بل ليتمكنوا من شراء منزل صغير يمثل الخلاص من كابوس الإيجار ومصاريفه التي فاقت طاقة زوجها، ولشراء سيارة أجرة للعمل عليها، وتحقيق عائد مادي يساهم في إعادة اللون لحياتهم بعد أن طال بهم البؤس، إضافة لقصص وحالات كثيرة مشابهة تنال بالدرجة الأولى من كرامة الإنسان.
بنك أعضاء
المحامية دولت إبراهيم أكدت أن تجارة الأعضاء تشكّل جريمة وفق كل الشرائع، ومعظم القوانين، وخاصة القانون السوري الذي يعتبر سلامة الأفراد من الأحكام المتعلقة بالنظام العام، والتي لا يجوز بأي حال من الأحوال الاتفاق أو التعاقد على خلافها وفق إرادة المتعاقدين، فاتفاق المتعاقدين لا ينفي وقوع هذه الجريمة، أو تذرّع الجهات الطبية بأن هذه الحالات تتمّ بالتراضي المحض بين الأفراد، وقد تمّ وضع العقوبات والمؤيدات الزجرية لكل من يقدم على تلك الجريمة، حيث يجرّم من يقوم بذلك بعقوبات جنائية تصل إلى الحكم بالسجن والأشغال الشاقة، ومادية تتمثل في دفع غرامات مالية، في حين يُسمح بالتبرع بتلك الأعضاء بالمجان دون مقابل، حيث يقرّ المتبرع لدى الكاتب بالعدل بشكل خطيّ، برغبته وموافقته على التبرع، وهذا ما يدفع مافيات الاتجار بالأعضاء إلى نشر إعلانات تبحث عن متبرعين، وليس عن راغبين ببيع أعضائهم، وهذا الأمر يشكّل أهم الصعوبات في كشف ملابسات هذه الجريمة الصامتة.

وأوضحت إبراهيم أن وجود بنك أعضاء، كما في الدول الغربية، سيخفّف كثيراً من هذه الظاهرة من خلال الاستفادة من حالات الوفاة الدماغية، أو حتى الاستفادة من أعضاء المتوفين حديثاً بحيث يستطيع من يحتاج عضواً أن يلجأ إلى البنك، ويحصل عليه بدلاً من الشراء من أصحاب المافيات، وبحكم القانون الذي يعتبر المتوفى متبرعاً بأعضائه، ما لم تكن وصية المتوفى عكس ذلك، ولا بد من نشر التوعية الاجتماعية لإنجاح ذلك، فالناس في مجتمعاتنا الشرقية يبدون ثنائيات متناقضة، حيث يهرعون لشراء الأعضاء من الأحياء عند الحاجة لها، وفي وقت حاجة الغير يعتبرون الميت كالحيّ لايجوز مسّ سلامة أعضائه التي ستذهب نحو الفناء، ولو كان ذلك لضرورات تبيح المحظورات، وتساهم في إنقاذ إنسان حيّ يصارع الموت بسبب حاجته لمتبرع بعضو، علماً أن هذه المسألة مباحة ومقنّنة بشكل صحيح وواضح في سياق القانون السوري.