شكلت التجربة الأمريكية القائمة على الحرية المطلقة وعلى “ديمقراطية” ساعد في “إرسائها” عاملي الجغرافيا وكذا نضج طبقات المجتمع إلى الدرجة التي أصبح فيها لزاما عليها الاحتكام إلى القوانين والتشريعات التي احتواها الدستور الأمريكي، نموذجاً كان هو الأمثل في التاريخ الحديث لبناء الثروة والقوة ومعهما القدرة على الهيمنة، حتى إذا جاء القرن العشرين كانت التباشير كلها توحي بأن ذلك القرن سيكون قرنا أمريكيا بكل ما يحويه ذلك التوصيف من معنى ، الأمر الذي راكمته الأحداث التي شهدها بدءا من الحربين العالميتين الأولى والثانية حيث ستسجل نهايات هذي الأخيرة أفولاً لنجم الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية اللتين تراجعتا رسميا إلى الصف الثاني ما بعد العدوان الثلاثي على مصر 1956، ثم وصولا إلى تموضعات دولية كانت خادمة للدور الأمريكي ولعل أبرزها الخلاف السوفييتي – الصيني الخارج إلى العلن منذ العام 1960 ، والذي شكل بالتأكيد الأرضية التي قادت لانهيار حلف “وارسو” وانهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي 1991 .
ما بعد هذا الحدث الأخير تراكم لدى غرف صناعة القرار الأمريكي إحساس “بفائض قوة غير مسبوق” ، وهذا كنتيجة كان قد دفع بالإيديولوجيا ومنظريها إلى إطلاق نظرية ” نهاية التاريخ ” التي تولدت لدى هؤلاء بفعل الإحساس سابق الذكر ، وكوسيلة لتكريسه في ردهات السياسة والفكر والثقافة ، والمؤكد هو أن حرب الخليج الثانية 1991 ، وغزو العراق 2003 التي سبقتها حرب أفغانستان 2001 كانت كلها تعبيرا صارخا عن “فائض القوة” سابق الذكر ، لكن المؤكد هو أن الاستخدام المفرط للقوة كانت له تداعياته الهامة على الداخل الأمريكي بكل مكوناته ، الأمر الذي ستظهر آثاره التراكمية تباعا في غضون العقد المنصرم .
عندما يقول المرشح الديمقراطي جون بايدن ، ثم تتبعه رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ، أن الديمقراطية الأمريكية في خطر ، فإن التصريحين لا يمكن فهمهما فقط في سياق الشد والتجاذب الإنتخابيين ، فكلا الإثنان – أي بايدن وبيلوسي – يمثلان مركز تقاطع معلومات كبير ، وهما لم يقولا ما قالاه إلا بعد تراكم العديد من المؤشرات التي تصب في ذلك الإتجاه ، وعندما يقول الرئيس دونالد ترامب أنه إذا خسر الإنتخابات “فهذا يعني أن تلك الإنتخابات ستشوبها حالات تزوير كبيرة “، فإن ذلك يعني أيضا أن لديه كما من المعلومات قد دفعه لأن يقول ما قاله .
أولى تراجم حالة التشاد السابقة جاءت في الخلاف الحاصل ما بين الطرفين على توقيت تعيين رئيس المحكمة الدستوربة العليا التي تفصل عادة في النزاعات الإنتخابية ، ففي حين يرى ترامب أن التعيين يجب أن يحصل راهنا ، ما يمكنه من كسب شخص موال له ، فإن بايدن يرى وجوب أن يكون التعيين بعد الإعلان عن نتائج الإنتخابات ، وهذا في مجمله تعبير أكيد عن أن ثمة تهتك أصاب فضاءات القضاء التي تعتبر إحدى مرتكزات النجاح في التجربة الأمريكية .
ما تعيشه الولايات المتحدة اليوم هو حالة انزباح في القوة لها اعتباراتها الداخلية من نوع تحول اقتصادها إلى اقتصاد ريعي ، بمعنى أنه بات يستند بالدرجة الأولى على سلعة واحدة هي الدولار ، وخارجية من نوع النهوضين الروسي و الصيني ، وحالة الإنزياح سابقة الذكر سوف تفضي إلى بروز العديد من المظاهر لعل أقربها وأخطرها راهنا ، تلك التي يمكن أن تحدث إذا ما خسر ترامب الإنتخابات ، فالأخير ، وفق مؤشرات عديدة ، قد يرفض تسليم السلطة ، وهذا الإحتمال يبدو ممكنا في ظل التشظيات الحاصلة في البنيان الإمريكي ، وكذا حالة الانقسام الصارخة ، اللتان تعتبران اليوم تهديدان للتجربة الأمريكية من نوع غير مسبوق منذ قيامها قبيل نحو قرنان ونصف .

تشرين