لربما يصح اعتبار التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة الماضي 23 من شهر تشرين الأول الجاري، والتي جاءت في أعقاب اتصاله بمسؤولين إسرائيليين وسودانيين ما استدعى تقديم الرؤية الأمريكية لاتفاق التطبيع الموقع مؤخراً بين الطرفين، كاشفة دوافع سودانية كانت حاسمة في تلك “الهرولة” التي سلكتها الحكومة السودانية في مسارها آنف الذكر، فيما تبين من خلال الشقوق ملامح دفع إقليمي، تمظهر أكثر ما تمظهر، بدفته المصرية التي دفعت ضرباتها ولا شك بسفينة الخرطوم نحو المسار الذي قررت الذهاب إليه.
سيقول ترامب في تصريحاته أمام الصحفيين معلقاً على ملف سد النهضة المعتمل منذ ما يزيد على سبع سنين واصفاً الوضع بالخطير جداً “لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة”، قبل أن يضيف: “سينتهي بهم الأمر إلى تفجير السد، قلتها وأقولها بصوت عال وواضح سيفجرون هذا السد، وعليهم أن يفعلوا شيئاً”، ليختم الرئيس الأمريكي تصريحاته النارية في مؤتمره ذاك بالقول: “لقد وجدت لهم اتفاقاً، لكن إثيوبيا انتهكته للأسف وما كان عليها فعل ذلك، كان هذا خطأ كبيراً”.
كل ما قاله ترامب صحيح، والاحتمالات التي عرضها قد تكتسب لبوس الواقع، بل لربما تكون الحل الوحيد أمام المصريين الذين يعتمدون بنسبة 97% من مياه شربهم وإرواء زراعاتهم على مياه النيل، وفي منحى أعمق فإن جريان مياه النهر واستمرار تدفقه بوتيرته المعتادة كان أساساً لاستقرار وديمومة النظام المركزي الذي عرفته مصر منذ آلاف السنين، لكن هذا الموقف الصريح الذي ظهر في تصريحات ترامب لم يكن هو نفسه في يوم 15 تموز الماضي عندما أعلنت أديس أبابا عن البدء بملء سد النهضة بقرار أحادي كانت له تبعات من التوتر بين البلدين وبدرجة أقل ما بين إثيوبيا والسودان، بل لربما يصح القول إن الموقف الأمريكي إبان ذاك القرار كان مغايراً للموقف الأخير، وإن لم يكن الموقف الأول صريحاً كما كان الأمر عليه في الثاني الذي حمل بين طياته ما يشبه “الضوء الأخضر” المعطى للقاهرة للقيام بعمل عسكري يكون حاسماً في حل الإشكالية الراهنة التي لا يبدو أن المفاوضات التي تسعى إثيوبيا من خلالها للماطلة بطريقة تشبه إلى حد بعيد الإستراتيجيات الإسرائيلية المتبعة في هكذا حالات بقادرة على حلها.
للوهلة الأولى يبدو للمتابع أن المواقف الأمريكية الأخيرة تجاه ذلك النزاع قد جاءت كدفعة على الحساب ثمناً لقرار الحكومة السودانية التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، والدفعة تطول مصر التي يقال إنها لعبت دوراً مهماً في دفع الخرطوم نحو ذلك المسار، إلا أن الصورة لا تكتمل تماماً عبر هذا الرصد الأخير الذي أقل ما يقال فيه أنه “ثابت” بمعنى أنه يرصد لحظة ساكنة غير متحركة، وهي بالتأكيد تجتزئ الكثير من العناصر الأخرى الفاعلة.
في نشرة له مؤرخة بتاريخ 20 تموز 2019 عرض موقع “آراب ويكلي” صوراً لصواريخ إسرائيلية مضادة للطيران من طراز “spyder.mr” منصوبة في محيط سد النهضة الإثيوبي، وهي صور لا تخفي الموقف الإسرائيلي من النزاع، ولا تخفي أيضاً ما تريده منه، وفي المحاولة لقراءة ذلك الموقف يمكن القول إن “إسرائيل” لم تعد تكتفي “بعزل” مصر عن محيطها العربي الذي تحقق ما بعد “كامب ديفيد” 1979، بل تريد ما هو أكثر، طالما أن الظروف وفق “الرؤية الإسرائيلية” سانحة لما هو أكثر، وهي باختصار تريد تعطيش مصر وتجويعها، تمهيداً لتحويلها من كتلة عملاقة إلى جثة هامدة لا حراك فيها، وهذا كله جزء في مسار متكامل يهدف في محاوره الأخرى إلى تهميش دور قناة السويس عبر تحويل ميناء حيفا إلى مصب أساسي لنفط الخليج عبر الربط بسكك حديدية وأتوسترادات برية من شأنها أن تلغي الدور الذي يؤديه كل من مضيق هرمز وباب المندب.
لا يمكن بأي حال من الأحوال القول أن ثمة تناقضاً يمكن لحظه في الموقفين الأمريكي والإسرائيلي مما يمكن أن تظهره السردية السابقة، بل على العكس، فالموقفان في العمق متناغمان لكن مع توازع للأدوار اقتضتها الضرورة، والاثنان يصبان في مصب واحد غايته توريط مصر في صراع تكون نتيجته تحطيم الجيش المصري كمدخل لا بديل عنه لتمرير ما يراد تمريره، فالتوازنات القائمة راهناً لن تبقى على حالها عندما تبدأ فوهات المدافع بقذف مخزوناتها معلنة بدء الحرب.

تشرين