حدثان مستفزان للرأي العام خلال الفترة الماضية..
الأول إعلان شركة محلية عن طرح النسخة الأحدث من جهاز خليوي في الأسواق المحلية بسعر يصل لأكثر من خمسة ملايين ليرة..!
والثاني ما نشره موقع إلكتروني من بيانات تتعلق بقيمة مستوردات البلاد من الأجهزة الخليوية، والتي بلغت بحسب مركز التجارة الدولي “ITC” حوالي 241 مليون دولار سنوياً.. وهو رقم أكثر من مستفز في ظل الضائقة المعيشية التي يعيشها المواطن!
وإذا كان الحدث الأول لا يحتاج لأي تعليق على اعتبار أن الشركة المحلية هي مصدر الخبر، فإن الحدث الثاني يحرك الفضول العلمي والصحفي لمعرفة ماذا تقول بيانات التجارة الخارجية السورية عن استيراد الأجهزة الخليوية.. هل تتقارب مع بيانات مركز التجارة الدولي؟ وهل فعلاً السوق المحلية تستهلك سنوياً أجهزة خليوية بهذا الرقم؟
وفق البيانات الرسمية التي حصل عليها كاتب المقال، فإن هناك حقيقة أخرى تتجلى في النقاط التالية:
أولاً.. قيمة مستوردات البلاد من الأجهزة الخليوية بلغت خلال العام الماضي حوالي40 مليون يورو، مشكلة بذلك نسبة قدرها 0.7% من إجمالي المستوردات البالغة حوالي 5.2 مليارات يورو، والتي كنا قد نشرنا عنها مقالاً في شهر أيار الماضي.
ثانياً.. قيمة مستوردات البلاد من الأجهزة نفسها خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بلغت حوالي 11.9 مليون يورو، أي ما نسبته 0.3% من إجمالي مستوردات تلك الفترة، والبالغة حوالي 3 مليارات يورو.. أرقام تعكس تراجعاً واضحاً في قيمة المستوردات على الصعيد العام، وعلى صعيد الأجهزة الخليوية.
ثالثاً.. لو عدنا إلى البيانات التي نشرت في شهر حزيران الماضي، والمتعلقة بقيمة مستوردات البلاد من ست سلع غذائية أساسية والأدوية في العام الماضي، لوجدنا أن قيمة مستوردات الأجهزة الخليوية تشكل نسبة قدرها 25% من مستوردات مادة السكر المكرر لوحدها، ومن مستوردات الحبوب والسكر معاً حوالي 8%، ومن مستوردات الزيوت والسمون النباتية حوالي 35%.. وغير ذلك.
إذاً.. نحن أمام حقيقتين:
الأولى وجود مستوردات سنوية من الأجهزة الخليوية قيمتها وفق الأرقام الرسمية ليست كارثية كما توحي أرقام مركز التجارة الدولي.. ومع ذلك فإننا نطرح السؤال التالي: هل على الحكومة أن تمنع نهائياً استيراد الأجهزة الخليوية لأسباب اقتصادية؟
وما تأثيرات ذلك على السوق المحلية ومصالح المستهلكين؟ وما موقف الرأي العام بمختلف شرائحه من قرار كهذا فيما لو صدر؟ أم إن الأفضل هو تقييد عملية الاستيراد وفق حاجات الاستهلاك المحلي ووفق ما يتم العمل عليه حالياً؟
الحقيقة الثانية تتمثل في أن مقارنة البيانات الدولية مع المحلية تظهر وجود فارق قدره حوالي 200 مليون دولار أو خمسة أضعاف الرقم الوطني.. فما مبرر ذلك؟
هل هو مثلاً البيانات القطرية غير الدقيقة المقدمة من بعض الدول لمركز التجارة الدولي؟ أم مركز التجارة نفسه؟ أم إن المبلغ المذكور هو قيمة الأجهزة المهربة إلى البلاد، سواء للمناطق التي لا تزال خارج السيطرة أو التي هي تحت سلطة الدولة، تماماً كما هو حال البضائع التركية المهربة إلى الشمال السوري، والتي تُنشر دولياً على أنها “صادرات تركية” لسورية في حين أنه ليست هناك إجازة استيراد واحدة من تركيا؟
بعيداً عن لغة الأرقام والبيانات..
لاشك أن التعامل الحكومي مع استيراد بعض السلع هو سيف ذو حدين في هذه الظروف الخاصة، فمن جهة لا يمكن وقف استيرادها بشكل كامل لأسباب مختلفة، ومن جهة ثانية فإن تلك الضرورة يجب ألا تبيح فتح الاستيراد على مصراعيه كما يرغب ويسعى البعض، وأياً كانت الاتهامات التي ستوجه لاحقاً للحكومة..

تشرين