لا يبدو أنّ نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة ستعلن في اليوم التالي لإجرائها أمس أو اليوم كما جرت العادة، خاصة في حال فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن، ففي حال لم يستطع ترامب الفوز، فإنه سيضع كثير من العقبات أمام الإعلان النهائي للنتائج، منها ما يتعلق بإدارة الانتخابات وعمليات فرز الأصوات، ثم دعاوى قانونية للنظر في مزاعمه، الأمر الذي سيخلق أزمات دستورية غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة.

ترامب ومن وراء مظهره المتبجّح وثقته غير الحقيقية بنجاحه، إلا انه في حقيقة الأمر، لم يكن واثقاً من أن التصويت سيكون في صالح فوزه، لذلك أعلن بشكل مسبق أنه الفائز، وانّ أيّ نتيجة مغايرة لذلك تعني بالنسبة إلية أنّ تزويراً قد حصل في غير صالحه، وعلى ما بدا أنه قد أعدّ للأمر عدّته، إذ كان آخر ما في صندوق (عدة الشغل) لديه قبل أسبوع، هو في تعيين السيدة ايمي باريت الكاثوليكية المحافظة، عضواً في المحكمة العليا، وبذلك تصبح حصة المحافظين في المحكمة ثلثي أعضاء المحكمة التسعة، والمحكمة العليا هي أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة، والتي من صلاحياتها النظر في الدعوى التي قد يتقدّم بها ترامب في حال عدم فوزه، وبالطبع انّ هذه الدعوى ستأخذ وقتاً غير قصير قبل البتّ بها، الأمر الذي سيجعل السياسة الخارجية الأميركية في حالة تعطل، فيما يستطيع محمد بن زايد ومحمد بن سلمان ونتنياهو وأمثالهم اتخاذ قرارات خطيرة والعبث بشكل منفرد، فيما تعيش راعيتهم الكبرى أزماتها الدستورية، ويعيش مجتمعها على حافة الاشتباك الذي تتبدّى إشارات على أنّ مظاهره قد تتسم بالعنف والدموية.

الدكتاتوريات في العالم العربي من عسكر وعروش وأشباههم من غير ممارسي الديمقراطية، تنتظر نتائج الديمقراطية الأميركية باهتمام وقلق، إما لتزيد من دكتاتوريتها في حال فوز ترامب، وإما لتجمّل ولتؤنسن ديكتاتوريتها في حال فوز بايدن، فمصائرهم ستحدّدها نتيجة هذه الانتخابات، في حال انتصر بايدن فإنّ قطر ستستردّ دورها الذي ما زلنا نذكره في مطلع الربيع الزائف، وستعود فضائيتها، «الجزيرة» لتتصدّر الفضائيات العربية، إلى جانب قطر الإخوان المسلمون الذين يرى فيهم العقل السياسي للحزب الديمقراطي مكوّناً أساسياً في الشرق الأوسط لا يمكن تجاوزه، وبالطبع سيعود العمل بالاتفاق النووي مع إيران بشيء من التعديل، وتتنفس الجمهورية الإسلامية بعد طول حصار، أما في حال عودة ترامب، فإنّ على من ذكر آنفاً أن يدخلوا في أربع سنوات عجاف وطوال.

دكتاتوريات وشموليات عالمنا العربي في الجانب الجمهوري، ينتظرون فوز ترامب لإغراقة بالهدايا، وفي مقدّمتها تسارع التطبيع، لا بل التحالف مع (إسرائيل) في العمق الأمني والاستراتيجي والاقتصادي والثقافي وصولاً إلى تبنّي الرواية «الإسرائيلية» للصراع، في حالة

خسارة ترامب وهو الأمر الذي لم يضعوه في حسابهم، فإنّ أموالهم واستثماراتهم في ترامب ستذروها الرياح، إذ ستفوق خسارتهم خسائره بكثير.

فلسطينياً سيكون لنتائج الانتخابات أن تثبت وجود قيادة السلطة الحالية في حال فاز بايدن، أو استبدالها بقيادة جديدة تماثلها في التنازلات وفي السلوك السياسي، وإنْ اختلفت معها بالشكل والشخوص في حال فاز ترامب، الذي سيجعل من إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، أمراً ضرورياً لعملية التبديل. في حال فاز بايدن، ستتلقى السلطة دعماً سياسياً شكلياً، ولكن دعماً اقتصادياً عالياً، وفق طريقة جون كيري عندما جاءنا بالثالوث دايتون، طوني بلير، سلام فياض، وفق رؤية تقول بأنّ علينا استبدال أحصنة العربة الفلسطينية، فبدل أن تقود السياسة الأمن والاقتصاد وباقي شؤون الحياة، لندع الاقتصاد والأمن هما من يقود السياسة، أو خلق واقع اقتصادي أمني يؤثر بالسياسة، وهو أمر تمّت تجربته من قبل لمن يذكر وأنتج مما أنتج ما أطلق عليه اسم الفلسطيني الجديد (الفلسطيني المستقر حسب فلسفة دولا بواسييه)، غير المعني أو المهتمّ بالقضايا الكبرى، مكتفياً بنفسه وراتبه وقوته، أما في حالة فوز ترامب، فسيدفع بعنف وقوّة باتجاه قيادة جديدة جزء من المحور السعودي الإماراتي، الأمر الذي يعني غياب وجوه كثيرة وظهور غيرها جديدة.

المصالحة الفلسطينية بدورها ستكون في مهبّ الريح الانتخابية الأميركية، فكلّ فريق من فرقائها، لا يريد الخطو نحو الأمام إلا بعد معرفة النتائج في واشنطن، ففي حال نجاح ترامب، سنرى عملية إضعاف السلطة في الضفة الغربية تتسارع، والمؤهّل للاستفادة من ذلك هو حماس أولاً، التي قد تدفعها الواقعية السياسية إلى أن ترى مصلحتها في التصالح مع القادم الجديد لا الراحل.

في نهاية الأمر فإنّ نجاح هذا أو ذاك لن يغيّر من أمرنا شيء، فنحن خاسرون مع أيّ منهما، وإنما الرابح والخاسر لدينا هي قياداتنا التي ارتبطت بهذا أو استثمرت في ذاك، وورائهم موظفوهم والمستفيدون من بقايا فتاتهم.

البناء