يبقى الرهان الأخير على مدى نجاح المعارضة التركية في تضييق الحصار على إردوغان بعد الضربة القاسية التي تلقّاها من صهره المستقيل أو المُقال، ومهما كان السبب سواء شخصياً أو عائلياً أو سياسياً فالنتيجة واحدة؛ وهي أن إردوغان في وضع لا يُحسد عليه.

بعد عام تقريباً من تعيينه، أقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم السبت الماضي (7 كانون الأول/ يناير) محافظ البنك المركزي مراد أويصال الذي جاء به بنفسه بعد أن أقال المحافظ السابق الذي اتهمه بعدم تنفيذ أوامره في ما يتعلّق بخفض الفوائد المصرفية.  

وأعلن إردوغان بعد ذلك تعيين وزير المالية الأسبق ناجي إغبال محافظاً للبنك المركزي، من دون أن يتحدث مع صهره وزير المالية والخزانة المستقيل حديثاً بيرات ألبيرق حول هذا الموضوع.

كان هذا التجاهل أحد الأسباب التي دفعت ألبيرق للاستقالة وهو ما فعله بعد يوم بالتحديد من تعيين المحافظ الجديد، ولكن جرى ذلك عبر حسابه على الإنستغرام وليس في مؤتمر صحافي، وذلك بعد أن أغلق حسابه على تويتر واختفى عن الأنظار.  

أثار هذا الأسلوب العديد من التساؤلات في الأوساط الإعلامية والسياسية والشعبية على اعتبار أن الوزير هو صهر الرئيس إردوغان، وبالتالي لم يتوقع أحد أن إردوغان يضحّي بزوج ابنته رغم الادّعاءات الصحافية التي تحدثت عن علاقة غرامية بين بيرات وعارضة أزياء شهيرة.

أشار البعض إلى هذه الادّعاءات واعتبرها من أسباب الفتور بين إردوغان وصهره، إضافة إلى ادّعاءات أخرى تتحدث بين الحين والحين عن خلافات داخل العائلة، وبين عائلة إردوغان وبين والد صهره، والأخير (أي الوالد) هو كاتب صحافي معروف وكان من المقربين للزعيم الإسلامي الراحل نجم  الدين أربكان.

لا يمكن تجاهل هذ الادعاءات على ضوء تذكير عضو البرلمان السابق باريش ياركاداش بأن الرئيس إردوغان كان يقول للمقربين منه "إن لديه خطوط حمراء لا يسمح لأحد ولا حتى لنفسه أن يتجاوزها وهي المصالحة مع الرئيس الأسد وإقالة صهره المدلّل بيرات من منصبه". 

تنطوي استقالة ألبيرق أو الاطاحة به، ولا يدري أحد أين هو الآن، على الكثير من التساؤلات ولكن توقيتها كان مهماً لأنها جاءت بعد يومٍ من الإعلان رسمياً عن فوز جو بايدن في الانتخابات الأميركية. فالجميع يعرف المودة والعلاقة الشخصية التي تجمع بين الصهرين بيرات ألبيرق وجاريد كوشنير اليهودي الذي يناصر "إسرائيل"، والذي زار أنقرة في 27 شباط/فبراير من العام الماضي والتقى بصديقه بيرات بحضور عمّه الرئيس إردوغان. وذكر الإعلام آنذاك إن كوشنير شرح لإردوغان "الموقف الأميركي في ما يتعلق بصفقة القرن"، حيث كان إردوغان يعترض بشدة على هذه الصفقة وبشكل خاص إعلان القدس عاصمة لـ"إسرائيل". 

وتحدثت المعلومات آنذاك عن "حديث مطوّل بين إردوغان وكوشنير حول الوضع في سوريا ولكن الأهم هي المساعدات المالية الأميركية والدولية لتركيا"، الأمر الذي يفسّر موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دخول الجيش التركي إلى شرق الفرات في تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي  وعدم تطبيق العقوبات التي أقرّها الكونغرس الأميركي ضد تركيا فيما يتعلق بصواريخ S400 الروسية وعدم التزام أنقرة بالعقوبات الأميركية على إيران، وهي المواضيع التي بحثها الوزير ألبيرق بعد ثلاثة أشهر مع الرئيس ترامب هذه المرة في مكتبه بالبيت الأبيض، وبحضور صديقه كوشنير الذي لم يعد له أي مكان في الإعراب في المستقبل السياسي الأميركي بعد الانتخابات الرئاسية. هذا من دون أن نتجاهل أهمية علاقاته مع اللوبيّات اليهودية التي قد يحتاج إليها إردوغان في المرحلة القادمة مع احتمالات الضغوط التي سيتعرض لها من قبل الرئيس الجديد جو بايدن.

وهنا يبدأ الحديث عن مساعي إردوغان لايجاد قنوات سرية أو علنية  تساعده لتصحيح العلاقة الفاترة  أو السيئة مع الرئيس بايدن وهو ما بدأه عبر إقالة صهره بيرات المحسوب على ترامب. 

وقد يحاول إردوغان أن يقول لبايدن من خلال هذه الخطوة: "ها قد  تخلصت من صهري صديق جاريد" بعد أن يحمّله مسؤولية الكثير من الأخطاء في العلاقة مع واشنطن في عهد ترامب. كما يتوقع أن يحمله لاحقاً مسؤولية المشاكل الإقتصادية والمالية التي تعاني منها تركيا منذ ثلاث سنوات تقريباً، من دون أن يتذكر أنه هو الذي كان يقول "أنا المسؤول مباشرة عن الاقتصاد"، كما كان يدافع عن صهره ويقول  عنه "إنه خبير وشاطر نظرياً وعملياً".

وقد تكون التضحية ببيرات ألبيرق غير كافية بالنسبة لبايدن، إذ بعث له إردوغان بإشارة ثانية من خلال تعيين لطفي ألوان وزيراً للمالية والخزانة خلفاً لصهره بيرات. 

فألوان ومع فارق العمر، قد حصل (1995) على درجة الماجستير في الاقتصاد من جامعة ديلافير  Delaware رغم أنه مهندس معادن. وهذه الجامعة درس فيها الرئيس بايدن عام 1972 في قسم القانون، ثم انتُخب عضواً في مجلس الشيوخ عن هذه المدينة التي يُقال إن سكانها يولون العلاقات الإجتماعية بما فيها "الزمالة الجامعية" أهميةً بالغة، وهو ما قد يدفع بايدن إلى التعاطف مع الوزير الجديد ألوان، ومن خلاله مع الرئيس إردوغان. 

هذا بالطبع إن كان  الوزير ألوان طيلة الفترة الماضية على علاقة ما مع جامعته وأساتذته بل جيرانه في ديلافير، وإلاّ فالأمور لن تكون سهلة بعد الآن على إردوغان الذي إن فشل في كسب ودّ بايدن، فسوف يواجه مشاكل جمّة وصعبة وخطيرة، ليس فقط على صعيد السياسة الخارجية بل الداخلية أيضاً. 

وقد سبق لبايدن أن تحدث عن دعم المعارضة والتخلص من إردوغان، من دون أن ننسى أن زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو والرئيسين المشتركين لحزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) مدحت سنجار وبارفين بولدان  قد هنئا بايدن الذي لم يهنئه إردوغان حتى الآن . 

فإذا صحّت التوقّعات واستمر بايدن في موقفه السلبي تجاه إردوغان، وهو ما سيعني تطبيق العقوبات التي أقرّها الكونغرس، فحينها لن يكون سهلاً أبداً إن لم نقل مستحيلاً بالنسبة لإردوغان معالجة الأزمة المالية الخطيرة التي تعاني منها تركيا لأسباب عديدة منها تكاليف التدخلات التركية الخارجية في سوريا وليبيا والعراق والبلقان وأفريقيا والقوقاز والتي يسعى إردوغان من خلال انتصاراته فيها، للتغطية على مشاكله في الداخل.

يبقى الرهان الأخير على مدى نجاح المعارضة في تضييق الحصار على إردوغان بعد الضربة القاسية التي تلقّاها من صهره المستقيل أو المُقال ومهما كان السبب شخصياً أو عائلياً أو سياسياً فالنتيجة واحدة؛ وهي أن إردوغان في وضع لا يُحسد عليه أبداً وهو الآن في انتظار من يساعده للخروج من هذا المأزق، وهو ما يفعله عادة الرئيس بوتين الذي ساعده على تحقيق انتصاره الأخير في  كاراباخ!

الميادين