في الدعوة التي وجهتها وزارة الخارجية السورية لعقد مؤتمر اللاجئين السوريين المقرر في دمشق يومي 11 و12 من شهر تشرين ثاني الجاري وردت الجملة الآتية:
«الخسارة الأعظم في الحرب الدائرة تتمثل في رحيل أبناء سورية وكوادرها المؤهلة من وطنهم، وهو ما يتطلب عدم ادخار أي جهود لتأمين عودتهم إلى وطنهم ومشاركتهم في جهود الإعمار».
يلامس هذا التشخيص الدقيق جرحاً نازفاً كبيراً من بين جراح أخرى كبيرة نازفة، وهو بات يمثل أولوية جنباً إلى جنب الأولويات الأخرى التي تفرضها باقي الجراح، بل يصح توصيفه على أنه الجرح الذي إن تضمد كان ممهداً لتضميد الكثير من الجراح بتكلفة أقل.
من المؤكد أن إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم كان يمثل على الدوام فعلاً حاضراً في ذهنية صانع القرار السياسي السوري، لكن في لحظ المتغيرات التي دفعت بهذا الأخير، ومعه الحليف الروسي، إلى اختيار اللحظة السياسية القادرة على تحقيق المرجو من تلك الدعوة في هذا التوقيت، يمكن القول إن تلك القراءة لحظت «مرونة» غربية وأميركية تبين من خلال الظلال التي ترسمها مواقف هؤلاء، فواشنطن التي تحفظت على المؤتمر، بل وحشدت لموقف معارض منه عبر «المجموعة المصغرة» التي عقدت اجتماعها الأخير في الثاني والعشرين من الشهر الماضي، أي ما قبل توجه المبعوث الأممي غير بيدرسون إلى دمشق أواخر شهر تشرين أول الماضي، بدت وكأنها تعبّر عن موقف تقليدي أكثر مما هو موقف حاد، ظهر ذلك في الألفاظ المستخدمة لإعلان تحفظها التي وردت على ألسنة العديد من المسؤولين، وربما لم تكن واشنطن ببعيدة عن مواقف بيدرسون نفسه التي أعلنها في إحاطته المقدمة إلى مجلس الأمن يوم 27 من الشهر المنصرم، وفيها قال: «إن الحل في سورية غير متعلق بوضع دستور جديد»، وهو تصريح يحمل في طياته تحولاً ملموساً كبيراً تجاه التسوية السياسية المفترضة، وكذا يصح اعتباره ناسفاً لتصور سابق كان الغرب يتبناه حول هذي الأخيرة، ومفاده أن المدخل للحل السياسي في سورية يأتي من الإنجاز المعوّل عليه والذي يمكن أن تقوم به «اللجنة الدستورية» عبر إنتاج دستور جديد للبلاد أو آخر معدل.
لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن القرار الأميركي والأوروبي بإيقاف وضع العصي بين الدواليب قد اتخذ، فقرار المقاطعة لهؤلاء، مضافاً إليهم جل العرب، لا يزال قائماً، والراجح هو أن جولة المبعوث الروسي ألكسندر لافرنتييف التي طالت بيروت وعمان ودولاً أخرى، ثم انتهت بزيارة دمشق لإطلاع الرئيس بشار الأسد على حصيلة تلك الجولة، لم تحقق الكثير قياساً إلى الضغوط الأميركية التي لا تزال في أوجها نظراً لأن من شأن نجاح الفعل أن يشكل خرقاً كبيراً في الحصار المفروض على دمشق، ومدخلاً لفك عزلتها.
ما بعد اتضاح الصورة التي ارتسمت معظم معالمها، يمكن القول إن القرار بانعقاد المؤتمر لا يزال قادراً على تحقيق مكاسب سياسية جنباً إلى جنب المرامي الوطنية التي تشكل الجانب الأهم، وفي حسابات الأولى، أي السياسية، فإن النتائج التي يمكن أن يفضي إليها المؤتمر ستفضي في كلا حالتيها إلى رسم معالم لطريق قد يطول وهو سيفضي إلى فصل مسار ملف اللاجئين عن التسوية السياسية، ففي حال أصر الغرب على المقاطعة، وهو ما يبدو وضعاً شبه أكيد حتى الآن، فإن ذلك سيضعه في موقف محرج سيجد نفسه متهماً فيه أمام المحافل الدولية باتباع سياسة ازدواجية المعايير المشتهر بها أصلاً، وإذا ما استطاع المؤتمر أن ينجح في جذب شرائح من السوريين تكون وازنة، فإن ذلك سيؤدي إلى الضغط على مؤتمر المانحين ومقره بروكسل، لتقديم المساعدات عبر الحكومة السورية، وليس عبر دول الجوار كما كان الأمر عليه على امتداد السنوات السابقة ولا يزال، وفي كلتا الحالتين فإن جعبة السياسة السورية ستكون على موعد يراكم فيها المزيد من المكاسب، صحيح أن المشوار سيطول ويطول، إلا أن ذلك متوقع قياساً إلى حجم القوى التي تقف بوجه تحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية ما يعيد بسورية من جديد إلى نقطة التوازن الأهم على امتداد المنطقة.

الوطن