يواصل أرمن قره باغ حرق منازلهم حتى لا يسلّموها لـ«العدو» (أ ف ب )


لم تكن هزيمة يريفان في قره باغ لتَقَع، لو أن رئيس وزرائها، نيكول باشينيان، اعتمد مقاربةً مختلفة في التعامل مع روسيا. يُجمع المراقبون على أن أحلام هذا الأخير بتحويل أرمينيا إلى «إسرائيل القوقاز»، وسعيه إلى التوجّه غرباً في منطقة النفوذ الروسي، فضلاً عن رفضه الاستسلام إلّا بعد سقوط شوشي بيد آذربيجان، كلّفه الكثير، إلى درجة أن خروجه من السلطة بات مسألة وقتٍ. في هذا الوقت، ضبطت موسكو الميدان بما يتناسب مع سياساتها، وتحكّمت بتاريخ وقف المعارك، ووجّهت رسائل في أكثر من اتجاه، مفادها بأن يدها ستقبى هي الطولى في جنوب القوقاز.

من غير المعروف بعد مدى جدّية المحاولة الانقلابية التي تقول يريفان إنه كان يُعَدُّ لها من أجل إطاحة رئيس وزرائها، نيكول باشينيان، واغتياله. فالضغوط على البرلمان، بُعيدَ توقيع اتفاق ناغورنو قره باغ في التاسع من الشهر الجاري، لا يبدو أنها ستنجح في ظلّ الحاجة إلى استمرار مُوقِّعي الاتفاق في يريفان في مواقعهم، على الأقلّ إلى حين الانتهاء من تنفيذ مراحله الأساسية خلال أقلّ من شهر؛ ذلك أن أيّ تغيير في السلطة ومعارضة الاتفاق من شأنهما أن يعيدا خلط الأوراق من جديد.
مع ذلك، وبمعزل عن مجريات تطبيق الاتفاق لاحقاً، لم يعد خروج باشينيان من الحكم سوى مسألة وقت. فالكارثة التي حلَّت بقره باغ، وبالأرمن عموماً، بعد كارثة عام 1915، لا يمكن لمسبّبيها أن يستمرّوا في السلطة، ومِن دون عقاب. تكاد كلّ الكتابات والتحليلات تُجمع على أن نيكول باشينيان هو «بطل» الكارثة الجديدة. تقول الكاتبة بارتشين ينانتش إن الثورة الملوّنة في عام 2018، ورَفْع شعارات الموالاة للغرب، والحملة ضدّ كلّ ما كان يُذكّر بروسيا مِن تماثيل ونصب، طَيّرت النوم من عينَي فلاديمير بوتين. ترافق ذلك مع بدء باشينيان رحلة إضعاف النفوذ الروسي في الجيش الأرميني، الأمر الذي لم يكن لروسيا أن تتغاضى عنه. هذا بالإضافة إلى أن رئيس الوزراء الأرميني لم يكن على انسجام مع القوى الحاكمة في قره باغ، فضلاً عن القوى الأرمينية في يريفان ذات الأصول القره باغية، بل إنه لم يتبع سياسات ذكية ولا دبلوماسية مع باكو، إذ كان يعتقد أن اتّباع سياسة القوّة وحدها يمكن أن يُرغم غريمته على قبول حلٍّ يصبّ في مصلحة الأرمن.
عَمِل باشينيان على تكرار النموذج الإسرائيلي، أي أن تكون أرمينيا هي «إسرائيل القوقاز»، وتحظى برعاية الغرب ودعمه، كما تحظى إسرائيل بحمايته المطلقة. وفي هذا الإطار تحديداً، جاءت إقامة يريفان علاقات دبلوماسية، للمرّة الأولى، مع إسرائيل، وفتح سفارةٍ لها هناك في منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي. لكن المحصّلة كانت فضيحة بالكامل، عندما لم يجد الغرب سوى طائرة مساعدات إنسانية فرنسية تهبط في مطار يريفان.
بالنسبة إلى ينانتش، فلَا جدال في أن تَقدُّم الجيش الأذربيجاني كان يجري على وقع الموافقة الروسية، ولم يكن يدخل في اعتقاد يريفان أن موسكو ستسمح بدخول باكو مدينة شوشي. لكن الأخيرة سقطت في مقابل الثمن الذي طلبه الروس مِن الأذربيجانيين، وكان في أساس اتفاق قره باغ، أي انتشار قوّة حفظ سلام روسية في الإقليم لمدّة خمس سنوات قابلة للتمديد. تَفرُّد روسيا بقوّة السلام يجعل من «مجموعة مينسك» خارج الحسابات لمصلحة نفوذ موسكو في المنطقة، بل سيجعل أيضاً من نفوذ الأخيرة داخل السلطة الحاكمة في باكو أكبر من ذي قبل. ويعتبر الكاتب فهيم طاشتكين، في صحيفة «غازيتيه دوار»، أن الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، حقّق نصراً يكفيه له ولأولاده ولأحفاده. ويقول إن باشينيان اعتقد أن موقف روسيا من الحرب الحالية لن يختلف عن موقفها من تلك التي جرت بين عامَي 1992-1994، أي دعم أرمينيا. لكن باشينيان قرأ خطأً حسابات بوتين الذي غضّ النظر عن تقدُّم أذربيجان ليستطيع استعادة أرمينيا. وبذلك، فقدت يريفان الأراضي التي كانت تَعتقد أنها ستكون ضمانتها لمستقبل الأرمن. فروسيا التي غادرت أذربيجان عسكرياً، بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، يضيف طاشتكين، عادت إليها بقوّة حفظ السلام. وستكون القوّة هذه عائقاً أمام تجدُّد الحرب، وضمانةً لما تبقّى من قره باغ بيد الأرمن، إذ إن تمركزها يمثِّل تمدّداً عسكرياً روسياً على حساب تركيا في جبهتها الشرقية.

عمل باشينيان على أن تكون أرمينيا هي «إسرائيل القوقاز»

في ما يتعلّق بالمكاسب التركية، يؤكّد الكاتب أن هناك مكسبين: الأول هو الاتفاق على إقامة مركز مراقبة داخل أذربيجان كتعويض عن عدم مشاركة أنقرة في قوة حفظ السلام؛ والثاني هو فتح ممرّ يصل تركيا بأذربيجان وآسيا الوسطى عبر أرمينيا. ويرى طاشتكين أن ممرّ نخجوان - المطلب الأهمّ لباكو - هو المقابل لممرّ لاتشين الذي ثبّته الاتفاق بين أرمينيا وقره باغ، أي أن كلّ ممرّ هو ضمانة للآخر.
على رغم المكاسب الواضحة لروسيا، فإن الحرب قدّمت لتركيا مكاسب كبيرة أيضاً. في مقدّمها دورها العسكري في انتصار أذربيجان التي عليها أن تنظر بعد اليوم بعين إلى موسكو، وبالثانية إلى أنقرة. لكن الحرب الحالية، يقول طاشتكين، أضافت طبقة جديدة سميكة إلى العداء بين تركيا والأرمن بعد الطبقة الأولى عام 1915، ولم يعد أمام يريفان بابٌ، سوى باب موسكو.
وفي صلة بممرّ نخجوان، يقول الكاتب حسن أوزتورك، في صحيفة «يني شفق» الموالية للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن فتح الممر لا يقلّ أهمية عن تحرير قره باغ. «لقد كان حلم تركيا. ونحن ننتظر الساعة التي ننطلق فيها بالسيارة من إيغدير (شرق تركيا) إلى نخجوان، ومن ثمّ عبر أرمينيا إلى باكو لنشرب الشاي في أحد مقاهيها مع الجوز والتين ومربى الخوخ». من جهته، يرى باريش دوستر، في صحيفة «جمهورييت»، أن الدولة الأكثر ربحاً من نتائج الحرب هي روسيا. فعلى توقيتها، سارت الحرب وهي التي تحكّمت بتاريخ وقف النار. وكانت رسالة روسيا واضحة إلى فرنسا والولايات المتحدة أن هذه المنطقة «أنا مسؤولة عنها وليس أنتم». وهي قالت لأرمينيا: «أنا مَن أنقذتكم من براثن أذربيجان، ولولاي لكنتم خسرتم كل قره باغ. لا تثقوا بالقوى الغربية، ومن دوني لا يمكن أن تبقوا على قدميكم في هذه الجغرافيا». أمّا رسالتها إلى أذربيجان، فهي: «أنتم محقّون في أن تثقوا كثيراً في تركيا. لكن هذه المسألة، أنا الذي يحلّها. لم نعترض على استعادتكم القسم الأكبر من قره باغ. لكن لو استعدتموها بالكامل، فسيزول النفوذ الروسي في أرمينيا وترتمي في الحضن الغربي وهذا ما لن نسمح به». وإلى تركيا: «تركيا تريد أن تكون مؤثّرة في القوقاز، وذلك عبر إقامة روابط قوية مع أذربيجان. لكن هذه المنطقة هي تحت رقابتي. المشكلات لا تُحلّ باستبعاد روسيا بل فقط بالتعاون معها».
يقول حسن أونال، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حاج تبه، إن خطأ باشينيان لدى قدومه إلى السلطة لم يكن البحث في الانسحاب من الأراضي الأذربيجانية المحتلة، بل العمل على احتلال المزيد من الأراضي، مدفوعاً في ذلك بدعم الدياسبورا الأرمينية في الغرب. لذا، عندما بدأت الحرب، لم يكن رئيس الوزراء الأرميني جاهزاً لها، وكان يعتقد أن روسيا ستهبّ لنجدته. وعلى رغم تراجع جيشه، لم يكن مستعدّاً لتوقيع اتفاق وقف النار إلا بعد سقوط مدينة شوشي بيد الأذربيجانيين - وهي التي تُلقّب بـ«عشّ النسور» -، وانفتاح الطريق أمام إبادة الجيش الأرميني.
مع ذلك، يرى أونال أن نتائج الحرب قد تفضي إلى ليونة تركية تجاه أرمينيا في اتجاه فتح الحدود مقابل انسحابها الكامل من الأراضي التي لا تزال تحتلّها. وهو ما سيزيد من ارتباط يريفان بأنقرة، وتالياً مضاعفة النفوذ التركي هناك. وهذا قد يحول دون أن تتّخذ الإدارة الأميركية الجديدة إجراءات معادية لتركيا، خصوصاً أن جو بايدن توعّد إردوغان بخلعه من السلطة.
طوى اتفاق قره باغ مرحلةً امتدّت على مدى أكثر من 25 سنة في جنوب القوقاز. وإذا كان الاتفاق قد رسم خريطة لاستتباب الوضع موقّتاً، فإن أحداً لا يمكنه القطع بما ستؤول إليه التطورات التي ازدادت، بعد الاتفاق، تعقيداً، ولا سيما مع تقسيم قره باغ إلى منطقتين: أذربيجانية وروسية، وفتح خطّ «تاريخي» بين تركيا والعالم التركي، ستخوض الأولى من أجله الحروب، في ظلّ إصرار إلهام علييف على أنه لن يكون هناك حكم ذاتي في قره باغ.

الاخبار اللبنانية