انعقدت الجلسة الكاملة الخامسة للجنة المركزية الـ19 للحزب الشيوعي الصيني في بجين في الفترة بين يومي 26 و29 الماضي. جاءت هذه الجلسة في التوقيت التاريخي، أي قبيل إنجاز بناء مجتمع ميسر على نحو شامل في الصين وقبل انطلاقها في المسيرة الجديدة نحو بناء دولة اشتراكية حديثة على نحو شامل، حيث قامت الجلسة بمراجعة وإقرار «اقتراح اللجنة المركزية لوضع الخطة الخمسية الـ14 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية ورؤية 2035»، الأمر الذي رسم خطوطاً عريضة للصين في المرحلة الجديدة للتنمية، ووضع تخطيطاً منهجياً وتوجيهاً إستراتيجياً لتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية.

يصادف العام الجاري العام الأخير لـ«الخطة الخمسية الـ13». في السنوات الخمس الماضية، حققت الصين قفزة كبيرة من حيث القوة الاقتصادية والتكنولوجية والقوة الوطنية الشاملة، حيث يشهد الاقتصاد تطوراً متزناً وتحسناً مستمراً في الهيكل، ومن المتوقع أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 100 تريليون يوان في هذا العام؛ حققت الصين إنجازات لافتة في مكافحة الفقر، حيث انتشلت 55.75 مليون نسمة في الأرياف من براثن الفقر؛ تجاوزت محاصيل الحبوب الغذائية 650 مليون طن لخمس سنوات متتالية؛ ارتفع مستوى معيشة الشعب بشكل كبير، ودخل التعليم العالي إلى مرحلة التعميم، وزادت الوظائف لـ60 مليون نسمة في المدن، وتم إنشاء أكبر نظام الضمان الاجتماعي في العالم، حيث يغطي التأمين الصحي الأساسي 1.3 مليار نسمة، ويغطي تأمين التقاعد مليار نسمة.

تؤكد هذه الإنجازات التاريخية نجاح الصين الوشيك في تحقيق هدفها المئوي الأول، أي بناء المجتمع الميسر في الموعد المحدد، كما تدل على القدرة القوية للحزب الشيوعي الصيني على القيادة والميزة لنظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

تمكّن الحزب الشيوعي الصيني من استقاء الخبرات خلال الممارسة، التي تتمثل في الأخذ في الاعتبار التنمية الطويلة المدى والتنمية المرحلية، والتخطيط العلمي لمراحل التنمية والتقدم المنتظم نحو التحديث الاشتراكي. في عام 2012، وضع المؤتمر العام الـ18 للحزب الشيوعي الصيني الخطة الإستراتيجية لتحقيق «الهدفين المئويين»، أي إنجاز بناء المجتمع الميسر على نحو شامل بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الحزب (عام 2021)؛ وإنجاز بناء دولة اشتراكية حديثة تسودها القوة والرخاء والديمقراطية والحضارة والتناغم والجمال بحلول الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية (عام 2049).

في عام 2017، رسم تقرير المؤتمر العام الـ19 للحزب الجدول الزمني الأوضح لبناء دولة اشتراكية قوية وحديثة، أي تحقيق التحديث الاشتراكي بشكل عام في عام 2035 على أساس إنجاز بناء المجتمع الميسر على نحو شامل عام 2020 وتحقيق الهدف المئوي الأول؛ وبالتالي إنجاز بناء دولة اشتراكية حديثة تسودها القوة والرخاء والديمقراطية والحضارة والتناغم والجمال بحلول منتصف هذا القرن.

وضعت هذه الجلسة الكاملة توجيهاً أكثر تفصيلاً لـ«الخطة الخمسية الـ14»، كما وضعت أهداف طويلة المدى لتحقيق التحديث الاشتراكي بحلول عام 2035. من عام 2021 إلى 2025، ستسعى الصين لتحقيق «ست جديدات»، أي إنجازات جديدة للتنمية الاقتصادية وخطوات جديدة للإصلاح والانفتاح وارتفاع جديد لمستوى الحضارة الاجتماعية وتقدم جديد للتنمية الإيكولوجية ومستوى جديد لمعيشة الشعب وارتفاع جديد لكفاءة الحوكمة. لغاية عام 2035، ستحقق الصين التحديث الاشتراكي بشكل عام، حيث تشهد الصين قفزة كبيرة في القوة الاقتصادية والتكنولوجية والقوة الوطنية الشاملة، حتى تقف في مقدمة صفوف الدول المبتكرة؛ إنجاز عمليات التصنيع الجديد والمعلوماتية والتحضر والتحديث الزراعي وإنشاء النظام الاقتصادي الحديث؛ تحقيق التحديث لنظام وقدرة الحوكمة الوطنية؛ ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي إلى المستوى المتوسط للدول المتقدمة، وازدياد كبير لفئة متوسطة الدخل؛ حياة أفضل لأبناء الشعب، والتقدم النوعي واللافت للتنمية الشاملة والرخاء المشترك لجميع أبناء الشعب.

بإرشاد روح الجلسة الكاملة الخامسة للجنة المركزية الـ19 وبتوجيه الخطة الخمسية الـ14، تمتلك الصين الثقة والقدرة على إطلاق بداية جيدة لبناء دولة اشتراكية حديثة على نحو شامل.

أوضحت هذه الجلسة للعالم ثقتنا الكبيرة لتحقيق التحديث الاشتراكي بشكل عام خلال 15 سنة، وعزيمتنا للالتزام بمفهوم التنمية المنفتحة.

في ظل التردي الاقتصادي والاضطرابات السياسية المتصاعدة على مستوى العالم، تكون الصين، باستقرارها وتنميتها، عنصر الاطمئنان وقوة الدفع للسلام والتنمية في العالم. في الواقع، لم تكن الصين يوماً تهديداً لدول العالم، بل فرصة سانحة. في عام 2019، بلغت مساهمة الصين في نمو الاقتصاد العالمي 32.4%، متقدمة لجميع اقتصادات العالم. في عام 2020، وفي ظل التحديات الخطيرة الناجمة عن جائحة فيروس كورونا المستجد، حقق الشعب الصيني، بالقيادة القوية للجنة المركزية ونواتها الرئيس شي جينبينغ، وبعد جهوده الشاقة والدؤوبة، حقق إنجازات إستراتيجية مهمة في الوقاية والسيطرة على الوباء وإنعاش الاقتصاد، حيث تحول معدل النمو في الأرباع الثلاثة الأولى من النمو السلبي إلى النمو الإيجابي، وازداد حجم التجارة الخارجية بـ0. 7%، والاستثمار الأجنبي المستخدم بـ5.2%، الأمر الذي لعب دوراً إيجابياً في دفع اقتصاد العالم نحو الانتعاش؛ في هذا السياق، رفع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي التوقعات لنمو اقتصاد الصين في العام الجاري إلى 2% و1.9%، كما توقع العديد من الوكالات الدولية الرئيسية أن الصين ستكون الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي يتمكن من تحقيق نمو إيجابي في العام الجاري.

خلال فترة «الخطة الخمسية الـ14»، ستسرّع الصين خطواتها لتشكيل معادلة جديدة للتنمية تعتمد أساساً على الدوران المحلي، مع التكامل بين الدوران المحلي والدولي. لا بد من التأكيد، أن المعادلة الجديدة ليست دورة محلية مغلقة على الإطلاق، بل دورة محلية ودولية مزدوجة وأكثر انفتاحاً، تبشر بانفتاح الصين في نطاق أكبر ومجالات أوسع ومستويات أرفع، وجهودها في إقامة نظام جديد للاقتصاد المنفتح على مستوى أعلى. يبلغ تعداد السكان للصين 1.4 مليار، منهم أكثر من 400 مليون من فئة متوسطة الدخل، وتعمل الصين على تطوير عمليات التصنيع الجديد والمعلوماتية والتحضر والتحديث الزراعي، فتتمتع بالطلب المحلي الكبير والإمكانية الكامنة الضخمة في التجارة الخارجية، من المتوقع أن تستورد الصين ما يزيد على 22 تريليون دولار من البضائع في عشر السنوات المقبلة، الأمر الذي سيأتي بفرص أكبر لدول العالم.

اختتمت قبل أيام الدورة الثالثة لمعرض الصين الدولي للاستيراد، بمشاركة أكثر من 1300 رجال الأعمال من 64 دولة وإقليماً، وبلغ القيمة الإجمالية للعقود 72.62 مليار دولار، بزيادة 2.1% عن الدورة السابقة رغم الظروف الصعبة الناجمة عن جائحة فيروس كورونا المستجد. حضرت معاونة وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية رانيا أحمد الجلسة الافتتاحية للمعرض، وسجلت تقديرها العالي للإجراءات المهمة التي تتخذها الحكومة الصينية لتوسيع الانفتاح، كما أقامت الشركات السورية أجنحتها لعرض منتجاتها.

في المرحلة الجديدة للتنمية، ستعمل الصين كالمعتاد، بإرشاد فكر شي جينبينغ الدبلوماسية، على صيانة السلم العالمي والمساهمة في التنمية العالمية والدفاع عن النظام الدولي. وستستمر في احترام حق شعوب الدول في اختيار النظم الاجتماعية والطرق التنمية بإرادتها المستقلة، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية، والتصدي للأحادية والهيمنة وسياسة القوة، والعمل على إقامة نوع جديد من العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والعدالة والإنصاف والتعاون والكسب المشترك، وإقامة مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

تكون سورية الصديق التاريخي للصين في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، وتنظر الصين إلى سورية دائماً كشريك التعاون في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية وإقامة العلاقات الدولية من النوع الجديد.

إن التنمية في الصين تخدم العالم وتخدم سورية. سأعمل كالمعتاد، بصفتي السفير الصيني لدى سورية، على دفع التبادلات الاقتصادية والتجارية القائمة على المنفعة المتبادلة والكسب المشترك، ومساعدة سورية في عملية إعادة الإعمار، بما يمكن شعبي البلدين من الاستفادة من ثمار التنمية الصينية بصورة أفضل.

نقلا" عن صحيفة الوطن