بايدن المعروف عنه خلال مسيرته السياسية الممتدة على مدى أكثر من أربعين عاماً، تَبنيه المواقف المساندة "لإسرائيل"، وطرحه مشاريع تقسيمية لبعض دول المنطقة، وآخرها العراق.

إنّ إحدى الأمور الملفتة - وربما الغربية - هي أنّ مختلف الأوساط السياسية والإعلامية العربية وحتّى غير العربية، تنشغل في كلّ موسم انتخابات رئاسية أميركية إلى حدّ كبير بمجمل التفاعلات الإنتخابية وتداعياتها ونتائجها النهائية، وكأن مُخرجات هذه الانتخابات سيكون لها أثرٌ كبيرٌ في تغيير موازين القوى، وانقلاب المواقف والتوجّهات، وصياغة المعادلات.

ففي الانتخابات الأخيرة، وبمجرد الإعلان غير الرسمي عن فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، على حساب خصمه الجمهوري دونالد ترامب، راحت برقيات وبيانات التهاني والتبريكات تنهال على بايدن من رؤساء وملوك وأمراء ووزراء مختلف دول العالم، مقرونةً بأمنياتٍ وآمالٍ صريحةٍ أو ضمنيّةٍ بتصحيح المسارات الخاطئة والمنحرفة للسياسات الأميركية في عهد الرئيس الخاسر دونالد ترامب، وكبح جماح النزّعات والتوجّهات العدائيّة لهذا الأخير. فممارسات ترامب تسبّبت باضطرابٍ ليس على صعيد العلاقات الخارجية للولايات المتحدة فحسب، وإنما بفوضى وارتباك كبيرين في الساحة الداخلية، كادت أن تُدخل البلاد في أتون حربٍ أهليةٍ جديدةٍ، فالبعض يرى أن شبح هذه الحرب مازال قائماً ولم يختفِ بفوز بايدن وهزيمة ترامب.

قد يكون إرسال برقيات التهاني والتبريكات بمختلف الوسائل والأساليب من قبل زعماء الدول، عرفٌ تقليديٌّ في حال فوز أي شخص بمنصبٍ رفيع المستوى، فما بالك لو كان هذا المنصب هو رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، ولكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفاً إلى حدٍّ ما لمن يقرأ ويتمعّن في ما يُؤشّر إليه بين سطور برقيات التهاني والتبريكات. هناك إجماعٌ أو شبه إجماعٍ عالميٍّ على أن سياسات ترامب الخارجية والداخلية قد ساهمت في تعميق المشاكل والأزمات في المشهد العالمي، وجعلت الولايات المتحدة الأميركية دولةً منبوذةً، ناهيك من الانقسامات الحادة في صفوف المجتمع الأميركي المتعدّد الأعراق والإثنيات.      

ففي عهد ترامب، انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي المُبرم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب، والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي زائد ألمانيا من جانبٍ آخر، كما انسحبت من اتفاقية باريس للمناخ، وجمّدت عضويتها في منظمة الصحة العالمية في الوقت الذي كان العالم – ومازال -يواجه إحدى أخطر الكوارث الصحية المتمثّلة بجائحة كورونا، ناهيك عن أن ترامب وسّع جبهات المواجهة والصراع مع الصين وروسيا وقوى أخرى وفتح جبهات جديدة، وبالغ في دعم ومساندة الأنظمة والحكومات المارقة، وفي مقدّمها "إسرائيل".

وما هو أفظع من ذلك هي قرارات ترامب ومجمل سياساته الارتجالية التي أحدثت انقسامات مجتمعية حادة في الولايات المتحدة الأميركية. لقد هيّأ ترامب الأرضيّات والمناخات المناسبة لتأجيج الخلافات والأحقاد والنّزعات العنصرية، أو بتعبيرٍ آخر، لقد أضرم نيران العنصرية الكامنة تحت الرماد! بحيث بات الحديث في شتى وسائل الإعلام والمحافل الفكرية والثقافية والسياسية الأميركية يتمحور حول العداء بين السود والبيض، وبات حديثاً واضحاً وصريحاً ولاتصدّه ولا تكبحه أي محدّداتٍ أو ضوابطَ وقيودٍ، وأصبحت مفردة الحرب الأهلية الثانية تشغل حيّزاً غير قليل في الأدبيّات السياسية والإعلامية، إلى جانب الشارع الأميركي.    

لاشك أن الكثيرين يعقدون الآمال على بايدن لتصحيح أخطاء سلفه ترامب، وربما تكون مجمل طروحات بايدن وطبيعة توجّهاته السياسية، تؤشّر الى إمكانية حصول تغييرات إيجابية، والتقليل من حجم التعقيدات والمخاطر في بعض الملفات العالمية، مثل العودة الى منظمة الصحة العالمية، والاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واتفاقية باريس للمناخ، وغيرها من الملفات، والتقليل من حجم تورط واشنطن في الحروب والصراعات الإقليمية هنا وهناك.

ولعلّ الأرقام الإجمالية للانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، تشير- حتى وإن لم تكن دقيقةً بالكامل - إلى أن 69% من المسلمين الأميركيين، وأغلبهم من أصولٍ عربيةٍ وآسيويةٍ وأفريقيةٍ، قد صوّتوا لصالح للمرشح الديمقراطي جو بايدن، فضلاً عن النسبة الكبيرة من السّود والعرقيات الأخرى التي صوّتت في الاتجاه ذاته. علاوةً على ذلك، هناك من يتحدث عن غالبية يهود الولايات المتحدة الذين خذلوا ترامب وصوّتوا لصالح خصمه بايدن، رغم أن ترامب كان قد خطى خطوات كبيرة فاقت ما قامت به أسلافه باتجاه دعم "إسرائيل" على حساب العرب والمسلمين، ولكن يبدو أن حقيقةً مهمةً للغاية تفرض ذاتها، ربما لم يلتفت إليها الكثيرون، تتمثل في مواقف اللّوبي اليهودي الذي يعدُ بدعم الطرف الأكثر تأثيراً ونفوذاً في توجيه مسارات الانتخابات الأميركية، لكنه لا يرمي بكل ثقله المالي والاعلامي والسياسي لصالح مرشح معيّن، ويدير ظهره للآخر، بل يحرص على الموازنة بين الاثنين، لانه يضع كل الاحتمالات في حساباته، وتؤكد تقاريرُ عدّة أن ما حصل عليه بايدن من دعمٍ من كبار رجال الأعمال اليهود في الولايات المتحدة، فاق ما حصل عليه ترامب، ومن الطبيعي أن لا يأتيَ دعمٌ مماثلٌ من  فارغ ولا هو لوجه الله تعالى.           

وهنا تتعزز التصوّرات والآراء القائلة، بأن جوهر السياسة الأميركية ومضمونها يتحرّك بخطوطٍ ثابتةٍ ومساراتٍ واضحةٍ سواء كان الجمهوريون هم من يتربّعون على عرش البيت الأبيض أو خصومهم الديمقراطيون. انطلاقاً من حقيقة، علينا أن نعيَ أنّ من يرسم السياسات الأميركية ويوجّهها ليس الرئيس وإنما جهات تتحكم بمفاصل رأس المال والهيمنة الاقتصادية والنفوذ المالي بالدرجة الأساس. ذلك لا يعني أن نغفل حقيقة وجود عوامل وظروف ومؤثرات أخرى تساهم بنسب متفاوتة في توجيه قناعات الناخبين بنحوٍ ما، لصالح هذا المرشح أو ذاك، وهذا ما نجح بادين في استثماره وتوظيفه بشكلٍ جيّدٍ، وهذا ما فشل ترامب في تجنّب تبعاته وآثاره السلبية، إذ أن الولاية الرئاسية للرئيس الحالي دونالد ترامب شهدت الكثير من الأحداث والوقائع والمواقف التي كانت كافيةً لأن تؤدي إلى خسارته في السباق الرئاسي، وبالتالي أدّت إلى الفشل في الحصول على ولايةٍ ثانيةٍ مثلما نجح في ذلك أسلافه من الجمهوريين والديمقراطيين، وآخرهم الرئيس السابق باراك أوباما(2008-2016). فالسياسات الترامبية المتهوّرة المعادية للمسلمين وللسّود والمهاجرين ولذوي الدخل المحدود، انعكست بوضوحٍ من خلال صناديق الإقتراع وبالتالي، كانت مُخرجاتها عبارةً عن أرقامَ عاليةٍ لبادين ومتدنيةٍ لترامب.

وعودٌ على بدء، فإن بايدن المعروف عنه خلال مسيرته السياسية الممتدة على مدى أكثر من أربعين عاماً، تَبنيه المواقف المساندة "لإسرائيل"، وطرحه مشاريع تقسيمية لبعض دول المنطقة، وآخرها العراق، عندما كان يشغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس، قبل أن يدخل البيت الأبيض نائباً لأوباما من عام 2009 وحتى 2017. لن يحوّل بايدن صورة أميركا السوداوية القاتمة إلى صورةٍ ناصعةٍ مشرقة، لأنه حتّى لو أراد ذلك، لن يستطيع فعل كل ما يريده. لذا، لا ينبغي الذهاب بعيداً في التفاؤل والاستغراق كثيراً في الحماس، لأن التغيير في الولايات المتحدة الأميركية غالباً ما يقتصر على الوجوه دون المضمون!    

عادل الجبوري - الميادين