ليلى نقولا 

وجدت مراكز الدراسات الأميركيّة أنَّ ترامب فاز بغالبيّة ساحقة من أصوات الكنائس الإنجيلية المتشدّدة، بينما فاز بايدن بحوالى 77% من أصوات اليهود الأميركيين.

أضاءت الانتخابات الأميركيّة الرئاسيّة 2020 على أهميَّة ومركزية تداخل الدين بالسياسة في الولايات المتحدة الأميركية، ومدى تأثير ذلك في السياسة الداخلية والخارجية للإدارات الأميركية المتعاقبة، وخصوصاً في الشرق الأوسط.

بخلاف النّظرة الشائعة التي ترجع التأييد الأميركي لـ"إسرائيل" إلى نفوذ اللوبي اليهوديّ في أميركا، كشفت الانتخابات الأميركيّة ودراسة السّلوك الانتخابيّ للأميركيين أنَّ الكنائس الإنجيلية "المتصهينة" هي القاعدة الأكثر ثباتاً في دفع المسؤولين إلى تأييد "إسرائيل"، وهي التي تفرض نفوذها في ولايات "حزام الإنجيل".

وفي دراسة متأنّية لتوزّع الأصوات الانتخابيّة، وجدت مراكز الدراسات الأميركيّة أنَّ ترامب فاز بغالبيّة ساحقة من أصوات الكنائس الإنجيلية المتشدّدة، بينما فاز بايدن بحوالى 77% من أصوات اليهود الأميركيين (يشكّلون 2 – 3% من الناخبين)، وهي أعلى من النسبة الّتي يمنحها اليهود للديموقراطيين عادةً منذ عقود، على الرغم من كلّ "الخدمات" التي أداها ترامب لـ"إسرائيل"، والتي جعلته في العام 2018 يعتبر أنّ اليهود الأميركيين "غير أوفياء لإسرائيل".

وفي وثائقي بعنوان "إلى أن يأتي الملكوت؟"، أضاءت المخرجة الإسرائيلية – الأميركية مايا زينشتاين على دور الكنائس الإنجيلية "المتصهينة" في العلاقة غير العادية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، والتي "تبدأ من ولاية كنتاكي الريفية إلى قرارات الحكومة في واشنطن، مروراً بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وخطة ضمّ الضفة الغربية"، وكشفت "كيف تتقاطع الدوافع الماليّة والسياسيّة والمسيانيّة"، والتي استفاد منها كل من ترامب ونتنياهو لتنفيذ سياسات تدميرية في الشرق الأوسط، فمن هم هؤلاء؟ ولماذا يؤيدون "إسرائيل"؟

حضرت الأفكار الصّهيونية لدى العديد من الطّوائف البروتستانتيّة في أوروبا خلال القرن السادس عشر، من خلال القراءات التي حاولت إصلاح الكتاب المقدس وتجديده، فبرزت النقاشات حول "نبوءة نهاية الزمان"، ما أدى إلى فهم مختلف لدور الشّعب اليهودي في التاريخ المسيحيّ، وضرورة عودته إلى الأرض المقدسة، وقيام "إسرائيل" من أجل استكمال سيرورة عودة المسيح مرة أخرى.

ومع هجرة البروتستانت إلى الولايات المتحدة نتيجة الاضطهاد الديني، حمل الإنجيليون المتشدّدون هذه الأفكار معهم إلى البلاد الجديدة. وبعد العام 1948 فقط، تطوّر هذا اللاهوت إلى حركة سياسية، إذ إنَّ إعلان "دولة إسرائيل" أعطى شعوراً للإنجيليين المتشددين بأنَّ نبوءات كتاب حزقيال بدأت تتحقّق. 

ولعلَّ حرب 1967 وانتصار "إسرائيل" فيها تركا انطباعاً لدى هؤلاء بأنّ "هذه الدولة" تتمتع بدعم من الله، فبدأت النواة المؤيدة لـ"إسرائيل" داخل الكنائس الإنجيلية تتوسّع، وخرجت ببطء من الدوائر الأصولية التي كانت مقيّدة بها سابقاً، وباتت المساعدات التي تقدّمها الكنائس (حتى في الأحياء الأميركية الفقيرة) ترسل إلى "إسرائيل" لبناء المستوطنات، وصار يتمّ تنظيم زيارات سياحية دينية لتعميد المؤمنين وترسيخ الفكرة الدينية الداعمة لـ"إسرائيل" (تشكّل 40% من السياحة الإجمالية في "إسرائيل").

من الناحية العقائدية الدينية، يستند دعم "إسرائيل" لدى هؤلاء إلى العديد من الأسس الدينية المستمدة من العهد القديم (التوراة)، والتي تدّعي أن الله أعطى وعداً لإبراهيم ونسله بهذه الأرض المقدسة، وأنه لم يستبدله مع باقي البشر، كما يؤمن المسيحيون الآخرون من الإنجيليين وغير الإنجيليين (أكثر من ثلثي المستطلعين في دراسة حديثة وافقوا بشدة على أنَّ الوعد هو وعد أبدي من الله)، والمستمدّة من "عقيدة البركات" المقتبسة من تكوين 12: 3 ("سأبارك أولئك الذين يباركونك، وكل من يلعنك سألعنه")، و"عقيدة النبوة" التي تتوقّع أن تظهر نهاية الزمان بمجرد عودة الشّعب اليهودي إلى الأرض المقدّسة (77% من هؤلاء يعتقدون أننا في مرحلة نهاية الزمان). 

أما الأمر الّذي يجعل اليهود الأميركيين "يتحسَّسون" من هذا الدعم وهذه المحبة لـ"إسرائيل"، فيظهر في السردية الإنجيلية لنهاية الزمان، التي تشير إلى أن نهاية الزمن الموعودة وعودة المسيح مرة ثانية ستجعل اليهود يهتدون ويؤمنون به. 

أما أولئك الذين لا يفعلون، فسوف يموتون في تلك الحرب بين الخير والشر، وينتهي بهم المطاف في الجحيم (وجد استطلاع للرأي أجرته مجموعة الضغط الإسرائيلية "جي - ستريت" أن 80% من اليهود الأميركيين يعارضون أي نوع من التحالف بين الجماعات اليهودية المؤيدة لـ"إسرائيل" والحركة المسيحية الصهيونية).

وعلى الرغم من الحساسية اليهودية، ووعياً منها بأهمية وتوسّع سيطرة هذه الكنائس في الداخل الأميركي (25% من الناخبين المسجلين)، أقامت "آيباك" تحالفاً مع هذه المجموعات الدينيّة، ما جعل التأييد السياسي لـ"إسرائيل" أمراً مربحاً لكل مرشح أميركي. ولهذا السبب، حظيت التشريعات المؤيدة لـ"إسرائيل" بدعم واسع من الحزبين، مثل قانون نقل السفارة الأميركية إلى القدس في العام 1995، والذي تم تبنّيه بأغلبية (93 مقابل 5) في مجلس الشيوخ، و(374 مقابل 37) في الكونغرس.

وعلى الرغم من ذلك، وعلى مدى السنوات العشرين الماضية، وبتأثير القاعدة المحافظة لهذه الكنائس، أصبح دعم الجمهوريين لـ"إسرائيل" أكثر وضوحاً، إلى أن أتى ترامب وجعله أكثر فجاجة، فسيطر الإنجيليون المؤيدون لـ"إسرائيل" على قرارات إدارة ترامب الخاصّة بالشّرق الأوسط، وقد صرّح نائب الرئيس الأميركي مايك بنس: "ينبع شغفي لإسرائيل من إيماني المسيحي... إن النظر إلى إسرائيل هو رؤية أنَّ إله إبراهيم وإسحق ويعقوب يفي بوعوده".

إذاً، يرتبط التأييد الأميركي لـ"إسرائيل" بفكرة توراتيَّة متشدّدة يستغلّها السّاسة الأميركيون لحصد تأييد الفئات الناخبة في الداخل، وهو ما أيقنه ومارسه فعلياً دونالد ترامب أكثر من سواه، إذ قام بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وقطع التمويل عن الأونروا، وأغلق المكتب التمثيلي الفلسطيني في واشنطن، واغتال الفريق قاسم سليماني، وضغط على الدول العربية للقيام بالتطبيع مع "إسرائيل"... وكما اعتبر ممثّل "مسيحيون متحدّون من أجل إسرائيل" سابقاً أنَّ الله "استخدم هتلر والمحرقة لإجبار اليهود على العودة إلى إسرائيل"، يعتبر هؤلاء اليوم أنَّ الله يستخدم ترامب لتنفيذ وعده وللسير نحو نهاية الزمان" على الرغم من سلوكياته غير الأخلاقية السابقة، وأن "يد الله" تتجلى في قراراته الخارجية والداخلية، لذا عليهم تأييده بكلّ زخم.

المصدر: الميادين نت