قد يكون من الصعب الآن التنبؤ بما يمكن أن يؤول إليه حال النسيجين المجتمعي والسياسي الأمريكيين بعد ولوجهما نفق الثالث من تشرين الثاني لعام 2020 فصاعداً، فعلى الرغم من تراكم العديد من المؤشرات التي توحي بأن محاولات دونالد ترامب لتمديد إقامته بالبيت الأبيض كلها باءت بالفشل، إلا أن السياقات التي جاءت عليها تلك المؤشرات كانت من النوع الكاشف لمواطن الضعف والترهل الذي أصاب جسد “الإمبراطورية” التي كانت تدير العالم عبر نظام ثنائي القطبية جنباً إلى جنب مع الاتحاد السوفييتي ما بين 1945- 1991، قبيل أن تنفرد بالسيطرة العالمية بدءاً من هذا العام الأخير الذي شهد تفكك القطب السوفييتي لتمارس في أتون ذلك الإنفراد أعتى أنواع الهيمنة والتسلط، ومعهما استباحة ثروات ودماء الشعوب خصوصاً منها تلك التي ترفض الإملاءات والتحكم عبر “الريموت كونترول” الذي تديره غرف القيادة الأمريكية في كل من البنتاغون وشارع المال والأعمال في نيويورك.

ما جرى بين 3 تشرين الثاني الماضي واليوم، والذي من المقدر أن تظل مفاعيله مستمرة وصولاً إلى 20 كانون الثاني المقبل، لن تنحصر آثاره في بروز “ندبات” كتلك التي يخلفها مرض الجدري على وجه المريض عندما يغادر الأول جسد هذا الأخير، وإنما ستتعداها إلى جروح أعمق بكثير من النوع الذي تخلفه عمليات الاستئصال أو البتر.

في محاولة رسم لوحة للمشهد المتشكل في غضون المعركة الانتخابية الأخيرة يمكن لحظ خط عريض يشير لانقسام عميق، ببعدين أحدهما أفقي والآخر عمودي، داخل البنيان الأمريكي، وهو، أي ذلك الانقسام، كان قد بدأ بالتبلور منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، وتحديداً ما بعد أحداث أيلول 2001 في نيويورك التي قادت من حيث النتيجة إلى سرقة “الدولة العميقة” من المؤسسة العسكرية إلى جانب أجهزة الاستخبارات العملاقة، من أيدي دوائر السياسة التقليدية المتمركزة تاريخياً في البيت الأبيض ووزارة الخارجية بشكل أساسي، هذا الفعل، الذي مضى في مساره آنف الذكر، خرج مؤخراً إلى العلن ما يمكن تلمسه منذ بدء ولاية دونالد ترامب مطلع العام 2017، بصورة صراع دائر ما بين الطرفين، مثل فيه هذا الأخير دور من يحاول استعادة “المسروقات” إلى المكان الذي سرقت منه، وعليه فإن الانتخابات لم تكن سبباً في حال الانقسام، وإنما كانت نتيجة كان لا بد من ظهورها بهذا السبب أو بغيره، والمؤكد هو أن حال هذا الصراع سوف تتوالى فصوله تباعاً على وقع هذا الحدث الأخير برغم حسم نتيجته بشكل شبه مؤكد ما لم تحدث مفاجآت من نوع ذهاب ترامب إلى توسعة أعضاء المحكمة الدستورية، وليس من المقدر له أن يقف عند الحدود التي وصل إليها حتى بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض بعد حوالي شهر من اليوم، فترامب المهزوم فيما تبقى له من وقت، يبدو مصراً على تأجيج الصراع ترسيخاً لفعل الانقسام تأسيساً لجولة قادمة كان قد عبر عنها حين أعلن عن عزمه الترشح لانتخابات العام 2024، وفي السياق كانت آخر التقارير التي نشرها موقع “أكسيوس” تقول إن ترامب يحضر لمغادرة دراماتيكية للبيت الأبيض، حيث ستقله الطائرة الرئاسية للمرة الأخيرة يوم 20 كانون الثاني المقبل إلى حفل منافس لحفل تنصيب بايدن، سيجري في ولاية فلوريدا، فيما قالت محطة “إن بي سي نيوز”: إن ترامب لن يحضر حفل تنصيب بايدن، في مؤشر أكيد على إصرار الأول، بما يمثله من مصالح لقوى وتكتلات، على تعميق فعل الانقسام سابق الذكر مع معسكر الأخير.

مثل هكذا حدث غير معهود في الانتخابات الأمريكية التي كان يذهب الخاسر فيها إلى تقديم التهنئة للفائز فيها لزوم عودة اللحمة لأنسجة القوى السياسية، ذات المصالح المتضاربة، إلى سابق عهدها الذي كانت عليه قبيل الدخول في معمعة المعارك الانتخابية، ولذا فإن التجربة الأمريكية تبدو وكأنها ماضية اليوم نحو تقليد الشقيق على الضفة الأخرى من الأطلسي، حيث من المعروف أن “الديمقراطيات” في أوروبا الغربية غالباً ما تذهب فيها الأحزاب الخاسرة إلى موقع المعارضة، بل وتذهب لتشكيل “حكومة ظل” تضم بين ثناياها كل التسميات والمناصب التي تحتويها حكومة الحزب الفائز، وبمعنى آخر فإن ترامب يبدو راغباً في ممارسة فعل المعارضة على الطريقة البريطانية تحديداً، وهو الفعل الذي لا يبدو أنه يلقى إجماعاً في أوساط حزبه الجمهوري، الأمر الذي قد يدفع به إلى تأسيس حزب جديد يستولده من رحم القديم، مع الإشارة إلى أنه لا يزال يحظى بتأييد غالبية قواعد الحزب، وهو حدث، فيما لو حصل، فإنه سيكون بداية لانقلاب كبير في موازين الحياة السياسية التي تعيشها “بلاد العم سام” منذ قرنين زائدة بثلاثة عقود عليها.

تشرين