ما زالت سوريا بموقعها الجيوسياسي مفتاحاً ومؤشراً لطبيعة ما سيكون عليه النظام العالمي الجديد.

تتسارع الأيام معلنةً بدء عام جديد في سوريا، التي تعيش كارثة أشدّ حرب خيضت فيها وعليها، وتقترب من نهاية عقدها الأول والدخول في عقد جديد، ولا يمكن حتى الآن التنبؤ بالمدة التي ستمضيها للخروج منها.

ملامح العام الجديد بدأت تسبقه مع عودة الدولة العميقة في الولايات المتحدة للإمساك بشكل كامل بالسياسات الأميركية الخارجية، ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى مرحلة ما قبل سيطرة التيار الشعبوي اليميني بقيادة دونالد ترامب، الذي أربك الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من الدول الغربية، فالواضح أن الإدارة الجديدة للولايات المتحدة تتعاطى مع التهديدات الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا وإيران بجدية أكبر، وخصوصاً أن الأسماء التي تم اختيارها في الإدارة معروفة بعدائها لروسيا بشكل أساسي، وبالتالي، ستسعى للمزيد من الضغوط والعقوبات عليها واستنزافها في كل ساحات الصراع، وخصوصاً في سوريا، التي ما زالت بموقعها الجيوسياسي مفتاحاً ومؤشراً لطبيعة ما سيكون عليه النظام العالمي. 

أما بالنسبة إلى علاقة الإدارة الأميركية الجديدة مع إيران، فالأمر سيّان، فرغم إبداء هذه الإدارة رغبتها في العودة إلى الاتفاق النووي، فإن ذلك لا يخرج عن محاولاتها لاحتواء إيران وإخراجها من التحالف مع روسيا والصين، وخصوصاً بعد امتلاكها أوراقاً إضافية نتيجة إلغاء الاتفاق على يد ترامب، ما سيدفعها إلى إجراء مفاوضات طويلة للحصول على تنازلات كبيرة تتعلق بالأسلحة الصاروخية المهددة للوجود الإسرائيلي، ما سيترك آثاره في الوضع السوري، بفعل طول فترة المفاوضات وعدم تنازل إيران عن مسلّمات أمنها وأمن حلفائها.

وتبقى الصين الحاضر الغائب في كل هذا الصراع، وهي تدرك تماماً أنها مستهدفة أيضاً في سوريا، إن كان بأمنها القومي باستخدام مجموعات الإيغور فيها ونقلهم إلى داخل إقليم شنكيانغ، أو بحرمانها من تنفيذ مشروعها الكبير "طريق واحد-حزام واحد"، بإبقاء سوريا مولّدة لعدم الاستقرار في غرب آسيا.

تواجه سوريا 5 تهديدات دوليّة وإقليميّة استطاعت أن تجد موطئ قدم فيها، ويبقى التهديد الأول هو الولايات المتحدة التي ستعمل على متابعة خططها التفجيرية في الداخل، بتعزيز تواجدها العسكري في شرق الفرات، استناداً إلى بيئة تشغيلية وحامية لها ومانعة لعودة السلة الغذائية والطاقوية لسوريا، والإبقاء على إدلب كمركز ضاغط في شمالها الغربي المهدد للساحل ولوسط سوريا، والبقاء في قاعدة التنف لمنع حرية التواصل السوري العراقي الإيراني بوجود بيئة تشغيلية من مجموعات "مغاوير الثورة"، مع تفعيل دور تنظيم "داعش" في البادية السورية، بعد تهريب المئات منهم من سجنهم في الحسكة، بحجة التمرّد الذي حصل فيه، وعودة مقاتلي التنظيم للقيام بهجومات متعدّدة تستهدف القوات السوريّة والحليفة. 

وإضافةً إلى الشق العسكري، فإنها ستتابع الضغوط الاقتصادية وتشديد الحصار والعقوبات والمزيد من الضغط على الليرة السورية، لتوسيع الفجوة بين القيادة السورية وعامة السوريين المقيمين في الداخل، في محاولة لإخراجهم إلى الشارع بحركات احتجاجية ضاغطة تدفع إلى الإطاحة بالسلطة السياسية، أو قبولها بتسوية سياسية تتيح للولايات المتحدة التموضع في غرب آسيا وشرق المتوسط.

وقد تعمل هذه الإدارة على ترشيح إحدى الشخصيات السورية الموجودة في الخارج للانتخابات الرئاسية القادمة في الثلث الثاني من العام 2021، ما قد يؤدي إلى إرباك كبير على المستوى الدولي ، بتكرار لظاهرة غوايدو في مواجهة مادورو في فنزويلا، والتي فشلت في النهاية. 

ويتمثّل التهديد الثاني باستمرار اندفاع المشروع التركي - الإردوغاني لمتابعة ما أنجزه من الميثاق الملِّي الَّذي يبني عليه آماله بأن يعيد لتركيا وجهها الإمبراطوري، وتأمين دوره الأساس في ملء الفراغ الإقليمي الذي تستعدّ له وتعمل عليه القوى الدولية والإقليمية مكان الولايات المتحدة، في حال خروجها الكامل من المنطقة.

ورغم خلافات الإدارة الأميركية الجديدة مع الإدارة التركية الحالية، فإنَّ تركيا ستبقى العصب الاستراتيجي الأساسي للولايات المتحدة، وهي أكثر أهميّة من "إسرائيل" لمواجهة القوى الثلاث الصاعدة في آسيا، وهو ما سيدفع إلى استمرار التهديدات التركية باحتلال المزيد من أراضي الشمال السوري، وإحداث تغيير ديمغرافي واسع يتيح لها السيطرة الكاملة والتأثير في المسار السياسي الداخلي في سوريا، بما يخدم الاستراتيجية التركية العامة كدولة إقليمية كبرى لها وزنها العالمي في عالم جديد يتشكَّل.

قد يكون التهديد الثالث هو التهديد الأخطر على سوريا، وهو الحلف الشيطاني الذي يظهر بين "إسرائيل" والدول العربية المتتابعة التي تعاقبت على إظهار التحالف القديم المبطّن وإظهاره للعلن، بما يتيح لـ"إسرائيل" العمل بحرية كاملة فيها، ويشكّل إطاراً جغرافياً واسعاً يمتدّ من شرق البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والخليج، ويشكل ضغطاً كبيراً من الجنوب على سوريا، ويفقدها جزءاً من القيمة الجيوسياسية التي تتمتع بها، إضافةً إلى قدرته على التغلغل في البيئة العشائرية في جنوب سوريا وشرقها، ما يكسبها أدوات داخليّة ضاغطة على القرار السياسي، كما هو حال المجموعات المسلحة التي يقودها أحمد العبدو، والتي تمّ تشكيلها تحت اسم "اللواء الثامن" في الفيلق الخامس بعد مصالحة درعا، ولكنّها ما زالت فعلياً تتبع لهذا الحلف وتتلقّى تمويلها وتعليماتها منه.

ويستمرّ التهديد الرابع كتهديد وجودي، وهو استمرار "إسرائيل" بضرب البنية العسكرية السورية التي يتمّ إعادة بنائها بعد التوقيع على التحالف العسكري السوري - الإيراني لمدة 15 عاماً، وتوسيع قاعدتها الاستخبارية على كلّ الأراضي السورية، بفعل الانقسام السوري إثر إطلاق ما يسمى "الربيع العربي".

تترافق هذه التّهديدات الأربعة المستمرة مع تهديدات خامسة داخلية متأهبة، بحكم سيطرة الاقتصاد الموازي "الظل" على أكثر من 80% مما تبقى من الاقتصاد السوري، وتجاوز أكثر من 90% من السكان خطّ الفقر، مع نقص شديد في مستلزمات الحياة الأساسية، المتمثّلة بالوقود والكهرباء والخبز، وفشل الإدارات السورية المتعاقبة في إيجاد حلول مناسبة بما يتلاءم مع وضع الحرب، مع تفشّي الفساد في أغلب المستويات.

على الرغم من الصورة السوداوية للعام 2021 على السوريين ضمن المعطيات التي توفر قدرة على التنبؤ والاستنتاج، فإنَّ هذا العام قد يصبح عام الحسم وقلب كلّ المعطيات إذا ما أرادت دمشق ذلك، فهي تستطيع إطلاق إعادة ترتيب البيت الداخلي بقوة، ومن خارج سياق الأدوات والوسائل التي لم تعد فقط عبئاً عليها، بل باتت جزءاً من المشكلة أيضاً، والأمر الثاني هو اتخاذها القرار المشترك مع محور طهران - بغداد – دمشق – بيروت – غزة - اليمن، والدخول في مواجهة شاملة مع "إسرائيل" التي تشكّل وتر آخيل في كلّ المشاريع التي تستهدف سوريا الآن بالدرجة الأولى وبقية الدول، فتقلب الطاولة على الجميع، وإلا فإنها ستبقى في موقع الدفاع والاستنزاف إلى حين اتضاح صورة النظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب، وهذا قد يأخذ عقداً من الزمن، ولا يمكن التنبؤ بنتائجه النهائية، ليس على وضع سوريا فحسب، بل على المحور بأكمله أيضاً، في بيئة إقليمية ودولية لمّا تتضح معالمها النهائية بعد، فهل تنتقل سوريا ومحورها إلى القرار الحاسم الذي يجعل من فلسطين والقدس نقطة الانطلاق لنظام إقليمي جديد لا مكان فيه للولايات المتحدة فيه؟ 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة  تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

الميادين نت