أكد الأب الياس زحلاوي أن الحرب على سوريا لا مشروعية لها وأن الدولة السورية صمدت بقيادتها وجيشها وشعبها ومؤسساتها بالرغم من إعلان الحرب عليها من قبل 140 دولة واستقدام آلاف المرتزقة للقتال فيها وفرض حصار غير مسبوق عليها.


وفي رسالة وجهها الأب الياس زحلاوي إلى شعوب العالم وللمسؤولين الأوروبيين تساءل عن مشروعية “هذه الحرب الكونية على سوريا والرهانات السياسية والاقتصادية الظاهرة والخفية من هذه الحرب” لافتاً إلى أنه طوال سنوات الحرب على سوريا كانت وسائل الإعلام الغربية المهيمنة تنهال على شعوبها ليلاً ونهاراً بـ “يقينيات” لا تقبل النقاش منها أن الحرب في سوريا “حرب أهلية” حيث اجتاحت الغرب كله “هبة من النخوة” قادتها الولايات المتحدة داخل هيئة الأمم المتحدة وانتهت إلى إعلان الحرب على سوريا من قبل 140 دولة وفرض حصار غير مسبوق عليها على الصعيد العسكري والاقتصادي والمالي.

وبين الأب زحلاوي أنه إزاء الفشل في تطبيق مبدأ التدخل الدولي “الإنساني” الذي ابتكره “برنار كوشنر” تدفق مئات الألوف من الإرهابيين إلى سوريا من قرابة مئة دولة بعضها من أوروبا وأميركا وتم تسليحهم وتدريبهم وتمويلهم وتوجيههم وقيادتهم من قبل نخبة من رجال أقوى الشبكات الاستخباراتية في العالم وتدفقوا إلى سوريا في موجات متلاحقة طوال سنوات وسنوات بقصد تحقيق الديمقراطية فيها كما قيل والدفاع عن حقوق الإنسان الأمر الذي أدى إلى تشريد ملايين السوريين وقتل المواطنين بغض النظر عن أي انتماء ديني أو اجتماعي.

وتابع الأب زحلاوي.. إن الدولة السورية صمدت بقيادتها وجيشها وشعبها ومؤسساتها الحكومية وهيئاتها الدبلوماسية وصروحها الجامعية والمدرسية بينما جميع موظفيها العاملون منهم والمتقاعدون حتى من كان منهم في المناطق التي حاصرها إرهابيو القاعدة والنصرة و”داعش” وأخواتها تلقوا مرتباتهم الشهرية.

وقدم الأب زحلاوي مقاربته الشخصية للصمود السوري في مواجهة الحرب قائلاً.. “من جهتي أنا الكاهن العربي الكاثوليكي سليل الجماعة المسيحية الأولى في سوريا أقدم مقاربتي الشخصية بصفتي مواطناً سورياً وعالمياً بنفس الوقت لأحد الأسباب العميقة الكامنة وراء المقاومة غير المتوقعة التي واجهت بها سوريا هذه الحرب ولا سيما أن هذه المقاومة بعينها هي التي جلبت لسورية مساندة غير مشروطة من حلفائها الذين كانوا يعرفون أن المصير ذاته يتهددهم لو كانت سوريا قد سقطت”.

وأشار إلى أن الخبير بالشؤون السورية “ميشل رامبو” وصف ذلك بالمعجزة عندما قال.. “إن كل ذلك يلامس المعجزة” ليؤكد الأب زحلاوي إن كانت هناك ثمة معجزة أو لا فلنعترف بأن المقاومة السورية هذه غير المتوقعة قد أثارت الكثير من التساؤلات وخلخلت الكثير من “اليقينيات” وانها تقتضي دون أي تأخير جهوداً نزيهة في سبيل أبحاث دؤوبة وشجاعة بعيداً عن أي حساب تافه أو عصبية لفهم سر هذه التربة البشرية الصرف.. تربة سوريا العميقة التي تفسر وحدها ما يبدو مستحيل التفسير في هذه المقاومة بالذات.

وتابع الأب زحلاوي.. “إنه يتوجب علي بوصفي كاهناً يعيش في مجتمع عربي ذي غالبية مسلمة ويعتقد أنه يعرف المسلمين وتاريخهم معرفة جيدة فإن الغربيين قد خلقوا بأيديهم عالمين مسلمين ليس لهما في الواقع أي علاقة بالإسلام أولهما يشتمل على التجمعات المسلمة التي لا تحصى والمنتشرة في الغرب كله واستخدموها طوال عشرات السنين لكنها بقيت حتى اليوم على هامش المجتمع أما الثاني فهو مجموعات الإرهابيين التي وجدها الغرب واستخدمها لتدمير الآخرين ظنا منه أنه بمنأى عن مخاطرها”.

واستعرض الأب زحلاوي فترة الفتوحات الإسلامية الأولى وعبقرية المسلمين في ابتكار نمط من العيش مع مسيحيي البلدان المفتوحة أنتج عيشاً مشتركاً قام على تعاون حقيقي مع السكان في احترام لكنائسهم وأديرتهم ومساكنهم وممتلكاتهم وأعمالهم وأتاح بصورة خاصة لجميع سكان هذه البلدان أن يعيشوا ويعملوا معاً ويتعاونوا معاً.

وأوضح أنه خلال القرون التالية تعمق هذا العيش المشترك واغتنى بحيث كان عدد من المفكرين العرب المسيحيين في القرن التاسع عشر هم الذين أبدعوا فكرة القومية العربية كما أن عدداً آخر أصبحوا في القرن العشرين مؤسسين وقادة لبعض الأحزاب السياسية المؤثرة في مصر وسورية ولبنان وفلسطين.

وأكد أن هذا العيش المشترك بالذات هو الذي يشكل عمق النسيج القوي في المجتمع السوري وهو الذي يفسر أحد الأسباب العميقة لصموده طوال قرون على الرغم من جميع الاضطرابات التي عصفت بهذا المجتمع حتى اليوم فليس لإعصار مهما بلغت قوته ومدته أن يقتلع غابة من العيش المشترك قضت 1400 سنة تضرب جذورها في عمق أرض طيبة تلك هي سورية اليوم.

ويختم الأب زحلاوي أن التاريخ يعلمنا أن القيمة الحقيقية لكل إنسان ومجتمع وشعب ودين تتجلى يوم يكون في ذروة قوته والغرب اليوم دون استثناء بالغا ما بلغت قوته في أمس الحاجة إلى إعادة نظره بسرعة في سياساته كلها داخل حدوده وخارجها على امتداد العالم.