ماسوف نتحدث به الآن وعلى عدة حلقات مواكبة يوميّة للحدث الأمريكي لأنه يتجاوز حالة داخليّة لدولة، ويتجاوز أن ما يحدث في دولة عُظمى ينعكس صداه على العالم؛ إلى أنه سؤال مطروح حول النُظم السياسيّة واستمراريتها وحول الحكمة حينما تكون أوضاع بلد ما في الحالة الحرجة
1.  أولآ أمريكا منقسمة بشدة ، نصفها على الأقل لم يعد يؤمن بالمؤسسات ولا بقواعد الدولة التي أسست منذ 200 عام وترسخت في الدولة العميقة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانيّة.
2. أن نصف الشعب الأمريكي يريد التغيير. ولا يريد الاستمرار بعقليّة عفا عليها الزمن. وهذه هي لحظة الحقيقة!
3. أن قواعد الفلسفة السياسيّة الأمريكية الواقعية تواجه اليوم التيار الشعبوي-الفوضوي!
4. أن الدولة العميقة تكلّست لدرجة عبادة ماضيها (المؤسساتي، القواعد الناظمة للعبة الداخلية والخارجيّة، القوانين، الدستور ....) كما لو أنها سلفيّة بالمعنى الديني للكلمة، وهي تبدي مُمانعة للتغيير كنوع من أنواع العطالة والقصور الذاتي.
5. أن الدولة العميقة قد مارست كل أنواع اللاعقلانيّة وانعدام الحكمة عندما قررت مواجهة ترامب بعملية كسر عظم وخيار صفريّ معه منذ أول يوم في إدارته، وحتى طرح كل ثقلها لإسقاطه مستخدمةً كل ما هو مؤسساتي -وربما غير مؤسساتي- لإنهائه دون أن تفكر بمساومة تاريخية معه للتوصّل إلى قسمة وسطى تطوّر الدولة العميقة فيها أدواتها وعقليتها، وتخفف من غلواء ثوريّة وفوضوية الطرف الآخر، أو منحه فرصة الأربع سنوات القادمة والانحناء أمام الريح العاتية. وهذا ما كان يمكن أن يكون ذروة العقلانيّة والحكمة السياسيتين.
6. أن الدولة العميقة لم تلتفت بحكمةٍ إلى أن ترامب يمثّل انقساماً شاقوليّاً، فترامب تيار وليس وحده؛ انه تيار مؤلف من ائتلاف: حزب الشاي + اليمين البديل + اليمين المسيحاني + اليمين التقليدي المتشدد + اليمين اليهودي "الليكودي"، يسنده قطاع من الشعب من "الواسبس" (الأمريكان البيض البروتستانت الأنجلو- سكسون) ويمكن أن يشق أمريكا في لحظة عزله. وأن هذا يعني انقسام الأمة الأمريكية، وهو ما لا يُواجه بالقواعد الموروثة للدولة، وبالقوانين التقليدية، لأن الانقسام هو [حولها هي بالذات] في العُمق!
اليوم المواجهة التي وصلت إلى الكونغرس وأوقفت أعمال المصادقة على نتائج الانتخابات الأخيرة، تقتضي حكمة التفكير من خارج الصندوق والمساومة و المناصفة التاريخيّة بين نصفين؛ نمطي /ولا نمطي، مؤسساتي-تقليدي /و شعبوي، ينتمي إلى الماضي/ويتكلم لغة الآن... ودون هذه القسمة فإن أمريكا ونموذجها السياسي وفلسفة السياسة الواقعية- البراغماتيّة-الوظيفية، الأداتيّة على المحك... ولهذا مستتبعاته- بالتالي- على دولة عظمى وعلى العالم. 
إذا قررت المؤسسة مواجهة الشارع ستكون قد ارتكبت أكبر الحماقات النمطيّة للدول في العالم. فالدولة لا تستطيع بعد هذا أن [تحتكر العُنف]، تعريفاً للدولة؛ لأن الانقسام الحاد الشاقوليّ سيضع الدولة العميقة-المؤسسة في مواجهة أكثر من نصف المجتمع، وإذا كانت الدولة تعريفاً هي القاسم ‏المشترك الاعظم بين شعبها فإنها ستفقد هذا التعريف بالضرورة.  
باختصار حتى الآن الدولة العميقة ... تفتقد الحكمة!!! وبطبيعة الأحوال التيار الشعبوي-الفوضوي، الترامبي غير حكيم! أمريكا كلها تفتقد الحكمة. 
ترامب وشارعه أثبتا أنهما يستطيعان تحدي التعريف التقليدي للدولة، وأنهما يستطيعان كسر قواعد المُصادقة المؤسساتيّة ولو إلى حين ... بانتظار اليوم التالي الذي سنُواكب ديناميكيته اللاحقة 
وغداً يُتبع.
ملاحظة نتحدث بعقل بارد ودون انحياز ودون تشفٍ ودون اعتبارات شخصيّة نوّصف المشهد كما هو. وبطبيعة الأحوال لسنا طرفاً فيه