يمكن لترامب أن يأمر بشنّ ضرباتٍ على أهداف خارجيةٍ لأنه ما زال يملك الصلاحيات الدستورية التي تخوّله فعل ذلك، خلافاً للقيود التي ينصّ عليها الدستور حول عدم تدخل الجيش الأميركي في الداخل وفي الانتخابات.

في مشهدٍ غير مسبوق في الولايات المتحدة، اقتحمت مجموعةٌ من المتظاهرين المؤيدين للرئيس الأميركي الخاسر دونالد ترامب، مبنى الكونغرس في محاولةٍ لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية والحؤول دون التصديق على فوز جو بايدن.

في واقع الأمر، لم تكن محاولة الانقلاب التي قام بها ترامب وأنصاره مفاجئة، فكلّ التقارير الصحافية والتصريحات المختلفة، كانت تشير إلى أنّ ترامب ومعاونيه يدرسون بجديّة القيام بانقلابٍ وأنّ صديقه ومستشاره (الخارج من السجن بعفوٍ رئاسي) الجنرال مايكل فلين، يحاول أن يضع تصوّراً لانقلابٍ عسكري، يغيّر بموجبه نتائج الانتخابات لصالح ترامب. 

وكما يبدو، لم يكن في يد ترامب سوى تحريض أنصاره من الغوغائيين، لكي يقتحموا مبنى الكونغرس خلال التصديق على نتائج الانتخابات، بعدما كُفّت يده عن استخدام الجيش الأميركي في الداخل.

لقد سبق  وأعلن العديد من القادة العسكريين ورئيس هيئة الأركان المشتركة - وبوضوح - أنّ الجيش لن يتدخّل في الانتخابات ولا في السياسة الداخلية، وأنّ قَسَمَ اليمين يجعل من الجيش موالياً للدستور فقط وليس لفردٍ أو ملِكٍ أو رئيس.

والآن، أين يتّجه ترامب بعد محاولة الانقلاب الفاشلة؟

على صعيد الساحة الداخلية، يبدو ترامب في أضعف لحظاته في مسيرته السياسية، خاصةً بعد تخلّي نائب الرئيس مايك بنس والعديد من أعضاء الحزب الجمهوري عنه، بعدما لمسوا أنّ تأييدهم لترامب قد يجرّ الولايات المتحدة الأميركية إلى حربٍ أهلية، أو إلى فوضى عارمة سوف تدمّر أميركا من الداخل.

أما خارجياً، لا سيما في موضوع التهديدات ضد إيران، يمكن لترامب أن يأمر بشنّ ضرباتٍ على أهداف خارجيةٍ لأنه ما زال يملك الصلاحيات الدستورية التي تخوّله فعل ذلك، خلافاً للقيود التي ينصّ عليها الدستور حول عدم تدخل الجيش الأميركي في الداخل وفي الانتخابات. في الفترة المتبقية من ولاية ترامب، يمكن أن تشهد الأيام القليلة المقبلة سيناريوهين:

يتمثّل السيناريو الأول في أن تكون محاولة الانقلاب الفاشلة قد أضعفت ترامب وجعلته يتراجع عن الأعمال العدائية التي كان ينوي القيام بها ضد إيران.

أمّا السيناريو الثاني، يطرح فرضيّة أن يستغل ترامب الأيام الأخيرة المتبقية له في ولايته الرئاسية، لينتقم من الإيرانيين ومن جو بايدن الذي يتحضّر للعودة إلى الاتفاق النووي، فيأمر بشنّ ضرباتٍ صاروخية على مواقع إيرانية بذرائع متعدّدة.

وفق ما تُبيّنه مسار الأمور واستناداً إلى شخصية ترامب النرجسيّة، لا نستبعد أن يستمرّ ترامب في التفكير في شنّ ضرباتٍ على إيران حتى بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.

تتميّز شخصية ترامب النرجسيّة بحاجته الدائمة إلى إظهار القوة والإنجاز. لذلك، وبما أنه لم يستطع تقبّل الخسارة بسهولة، فإنه لن يتقبّل فشله في استراتيجيته ضد إيران، على الرغم من كلّ الضغوط القصوى التي مارسها. لذا، من المؤكد أنه ما زال يفكر جدياً في الانتقام من الإيرانيين.

وللدلالة على شخصيته التي لا تتقبّل الهزيمة ولا تعترف بالخسارة، يكفي أن نقرأ في البيان المكتوب الذي أصدره ترامب بعد فشل الانقلاب، والذي قال فيه أنه "يتعهّد بالانتقال المنظم للسلطة في 20 كانون الثاني/ يناير على الرغم من إنه لا يتفق مع نتيجة الانتخابات". وأضاف في جملةٍ معبّرة؛ "بينما يمثّل هذا نهاية أعظم ولايةٍ في تاريخ الرئاسة، إلاّ أنها مجرد بدايةٍ لمعركتنا من أجل إعادة أميركا إلى عظمتها مرّةً أخرى!" 

من ناحيةٍ أخرى، وبما أن ترامب يطمح إلى الترشّح للانتخابات في الدورة القادمة عام 2024، فهو يعتقد أن إمكانيته في الفوز سوف تكون أفضل بضرب إيران، لإرضاء القاعدة الإنجيلية المؤيدة لـ"إسرائيل" التي انتخبته ومنحته مئات الملايين من الأصوات على الرغم من عدم كفاءته.

في المحصّلة، يُختصر وضع ترامب اليوم بصورة الرئيس الغاضب المتهوّر الذي يملك بموجب الدستور الأميركي - في الوقت القليل المتبقي لديه - الكثير من الصلاحيات الخارجية، خاصةً في المجال العسكري، وليس لديه ما يخسره على الصعيد الشخصي، لذا قد يلجأ الى إحداث الضرر على الساحة الدولية وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط.

وبناءً عليه، نجد أن السيناريو الثاني هو الأكثر ترجيحاً، أي أن ترامب بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، لن يتراجع بل سيكون أكثر إصراراً على القيام بمغامرةٍ عسكريةٍ في الخارج لحفظ ماء الوجه والانتقام من الداخل والخارج معاً. وبالتالي، سيشكّل الشرق الأوسط "فشّة خلق"، إلاّ إذا رفضت قيادات البنتاغون تنفيذ الأمر الرئاسي، واستغلّت ضعف ترامب لتجنّب جرّ منطقة الشرق الأوسط إلى الفوضى. 

الميادين