يبدو أن واشنطن تعيد إنتاج التنظيم الإرهابي، بدعم غارات الإسرائيليين استخباراتياً على الأقل من جهة، وبغضّ قواتها في قاعدة التنف الطرف عن الإرهابيين من جهة أخرى.

عدوان على سوريا، إسرائيلي وأميركي أيضاً، وإن في حده الأدنى بتقديم معلومات استخباراتية من قبل واشنطن، تعمدت الأخيرة الكشف عنه عن طريق مصدر رفيع لم يكشف عن هويته.

الجديد في العدوان ليس الغارات وحدها، بل توقيتها أيضاً والمعلن عنه حول تنفيذها، ففي التوقيت، لم يتبق لإدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر من 7 أيام. أما التنفيذ، فاستبقته الولايات المتحدة بعمليات استطلاع أجرتها قواتها في العراق.

ذاك ما علمته الميادين من مصادر موثوقة حول العدوان الأميركي الإسرائيلي المشترك، وهو ذاته ما أكده مسؤول استخباري أميركي رفيع المستوى، الذي قال أيضاً إن وزير الخارجية مايك بومبيو بحث مسألة القصف مع رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين.

وبحسب مصادر ميدانية موثوقة ، فإن القوات الأميركية أمنت عملية الاستطلاع من مواقعها في العراق للطائرات الإسرائيلية لتنفيذ الغارات على دير الزور والبوكمال شرق سوريا، والتي أدّت إلى سقوط شهيد سوريّ و14 جريحاً، فلماذا دخلت واشنطن مباشرة على هذا المسار من الاعتداءات في سوريا؟

قد يرى البعض أن الأميركيين والإسرائيليين يحاولون استدراج محور المقاومة إلى حرب شاملة، لكن تلك الحرب أصبحت احتمالاتها ضئيلة. وبعيداً عن فكرة الاستدراج تلك إلى حرب تريدها "إسرائيل"، وبتوقيتها الجنوني الانتحاري للرئيس المغضوب عليه أميركياً، ثمة تساؤلات كثيرة تثيرها تلك الغارات.

من بين أهداف تلك الغارات، نقاط عسكرية سورية في منطقة تمتد من الحدود مع العراق إلى مدينة دير الزور، وهي منطقة تشهد عودة لافتة لنشاط داعش.

وبعد هزيمة التنظيم بالمعنى العسكريّ، ها هي فلوله تطلّ برأسها من جديد من البادية السورية وصولاً إلى الحدود العراقية، مسرح نشاطها واعتداءاتها، على مرأى القوّات الأميركية المنتشرة في منطقة التنف ومسمعها، فلماذا تؤمّن واشنطن تحرّكات فلول التنظيم؟ وهل عادت للزجّ بهذه الورقة للعبث بالساحة السورية ولاستنزاف الدولة وعرقلة أيّ حلول ومحاولات للتعافي؟ وهل تراهن واشنطن على إعادة التنظيم لإطالة أمد بقاء قواتها في سوريا؟

إن ما يدعم القول بوجود دور أميركي في إيقاظ التنظيم، هو تركيز هجماته في المساحات الخاضعة للدولة السورية. الباحث في العلاقات الدولية، بسام أبو عبد الله، أكد للميادين أن "واشنطن هي التي تدير جميع غرف العمليات المعادية لسوريا"، مشيراً إلى أن "منطقة البوكمال لها رمزية كبيرة بالنسبة إلى محور المقاومة، وهي نقطة الربط بين العراق وسوريا".

وأضاف أبو عبد الله أن "شعوب المنطقة لا يمكن أن تسكت إزاء المحاولات الأميركية لنهب ثرواتها واحتلال أرضها"، لافتاً إلى أن "هناك محاولة لإعادة إحياء داعش، وسيتم الوقوف بوجهها بالتعاون مع الروس والحلفاء في محور المقاومة".


بدوره، قال المحلل السياسي ديمتري بابيتش إن "موسكو تنظر بعين القلق إلى الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا"، موضحاً أن "الولايات المتحدة موجودة بطريقة غير شرعية في سوريا وممارساتها تخالف كل القوانين".


وبينما تزعم واشنطن معارضتها الإرهاب، تتّهم بإطلاق التطرّف ودعمه، ولا سيما "تنظيم القاعدة"، لتعود وتدعي شن الحرب عليه. وتشير التقارير إلى أنّ صناعة "تنظيم القاعدة" تمّت في أروقة المخابرات الأميركية كسلاح للسياسة الخارجية واستخدم بداية الثمانينيات لمواجهة الاتّحاد السوفياتيّ في أفغانستان.

وهنا يبرز كلام وزير الخارجية البريطانيّ السابق، روبن كوك، الذي قال إنّ تنظيم القاعدة كان أحد إنتاجات وكالات الاستخبارات الغربية، في حين أظهرت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر أن للسعودية نصيب الأسد من المتهمين، الأمر الذي وضع الرياض في موقع المتهم، ولا سيما مع وجود تقارير عن تورّط مسؤولين كبار فيها، وهو ما مهّد للقانون الأميركيّ "جاستا"، الذي يتيح للضحايا وأسرهم رفع دعاوى قضائية ضدّ المتورّطين في الهجمات، ويستهدف السعودية بشكل خاصّ.

الناشط السياسي دان كووين أوضح للميادين أن "هناك تنسيقاً مكثفاً ومفتوحاً بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية بشأن التطورات في منطقة الشرق الأوسط"، لافتاً إلى أن "الساحتين السورية والعراقية هما مسرحا الاعتداءات الإسرائيلية والأميركية ضد إيران".

كووين قال: "من دون داعش والقاعدة، لا عذر أمام الولايات المتحدة للبقاء في سوريا والعراق"، مشدداً على أن "داعش والقاعدة والجماعات المتطرفة باتت بحكم الأمر الواقع في تحالف مع الولايات المتحدة".

الميادين نت