يوم نشر هذا المقال هو الثلاثاء 19 يناير/ كانون الثاني 2021، هو اليوم الأخير للمعزول «ترامب»، من منصبه وفقاً للموعد المقرّر، وربما تنعقد جلسة اليوم لمجلس الشيوخ الأميركي للنظر في عزله كخطوة نهائية لذلك التصويت الذي أجراه مجلس النواب في الأسبوع الماضي، وقرّر عزل ترامب بأغلبية (231) صوتاً، من بينها (11) نائباً عن الحزب الجمهوري! أيّ أنه من الصعب التكهّن بتفاصيل ما يمكن أن يحدث في الأيام الأخيرة وحتى اليوم الأخير لترامب في البيت الأبيض رسمياً، وحتى لحظة احتفالية التنصيب لجو بايدن، الرئيس الأميركي الديمقراطي الجديد في صباح يوم الأربعاء الموافق 20 يناير/ كانون الثاني 2021.

ويذهب المحللون والمراقبون، أنّ هناك فعلاً كبيراً يمكن أن تشهده الولايات المتحدة، قد يصل إلى إعاقة تسلم بايدن مقاليد الحكم ورئاسة أميركا يوم الأربعاء 20 يناير/ كانون الثاني، على خلفيّة العديد من الأسباب وتؤكده المقدّمات من وجهة نظرهم. بل إنّ الموعد المحدّد وهو يوم 20 يناير/ كانون الثاني، هو يوم إعلان تفكك الولايات المتحدة وحدوث حرب أهلية يجري التحضير لها، ورمزها هو ذلك الرئيس/ ترامب المتغطرس. وتصل تخيّلات هؤلاء، إلى أنّ ترامب هو آخر رؤساء أميركا، ليختتم المشهد الاتحادي للولايات الخمسين، بذاك الرئيس ورقمه (45) في تاريخ أميركا. وأنّ الوضع يسير في طريق التفكك والانهيار، وظهور ولايات تعلن استقلالها عن منظومة الولايات المتحدة الأميركية، وقد نشهد السيناريو ذاته الذي تعرّض له الاتحاد السوفياتي بنهاية عام 1991، واختزل في روسيا وهي الجمهورية الأكبر ضمن جمهوريات هذا الاتحاد، لتحتلّ مسيرته وترث وضعه. بل وصلت التحليلات إلى أنّ الولايات المتحدة تعيش خطابين، أحدهما تفكيكي بدأ سبيله للتنفيذ ولا خيار آخر، بينما هناك خطاب يتظاهر بعكس ذلك رغم تورطهم في أفعال التفكيك!

على حين يتصوّر قوم آخر من المحللين، أنّ النظام المؤسسي للدولة الأميركية، القائم على «التوازن والانفصال والتعاون»، المعروف بـ (Cheque of Balance)، هو الضمان لاستمرار الولايات المتحدة، وتجاوز الأزمة المطروحة.

حيث إنّ كلّ سلطة تختصّ بما حدّده لها الدستور من اختصاصات، من دون تدخل منها في اختصاصات السلطات الأخرى، وأنه بالقدر الذي يفرضه الدستور من توازن بين سلطات ثلاث هي (التشريعية – التنفيذية – القضائية)، إلا أنّ الواقع الفعلي يتجاوز فكرة الانفصال إلى التعاون الحتمي، حرصاً على أداء مصالح الشعب الأميركي. وقد وجدنا وقائع لا حصر لها، خاصة ما يتعلق بالميزانية وعدم اعتماد الكونغرس لها، فاضطر الرئيس إلى غلق المؤسسات الاتحادية للضغط على الكونغرس، ثم تبدأ المفاوضات وتنتهي بحتمية التعاون في ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، في ظلّ رقابة شعبية ضاغطة على الجميع. إلا أنّ هذا النظام وهو يقوم على التوازن، قد يبدو هيمنة السلطة التنفيذية ممثلة في شخص الرئيس، على مقاليد الأمور. وفي خلال فترة رئاسة «ترامب»، فإنّ مجلس النواب، طرح الثقة فيه مرتين، آخرها ما جرى خلال الأسبوع الماضي، وقبل أقلّ من عشرة أيام من انتهاء مدة ترامب!

الأمر الذي يؤكد أنّ الكونغرس حاول ممارسة اختصاصه للحدّ من سلطات الرئيس (ترامب)، والحدّ من تجاوزاته، بل حاول جاهداً أن يكسر محاولات ترامب لتشويه النظام الديمقراطي والانتخابات الأميركية، بعد خسارته الفادحة. وقد أراد الكونغرس، أن يلقنه درساً يدفع بموجبه ثمناً فادحاً، ودرساً لأيّ رئيس يحاول أن يسير في هذا الطريق «الترامبي» نفسه، مرة أخرى مستقبلاً. بعبارة أخرى أراد الكونغرس أن يضع ترامب، تحت التهديد لعدم إساءة استخدام سلطاته في الفترة الانتقالية، وأنّ سلوكياته عقب تأكده من الخسارة والسقوط، تؤكد أنه يسير في الخيار «شمشون» – أيّ عليَّ وعلى أعدائي»، أياً كان الثمن، حتى لو وصل الأمر إلى حرق أميركا، كما حرق شمشون روما على أهلها!

فالكونغرس، ابتداءً مجلس النواب، أراد أن يلقن ترامب، درساً لا ينساه، ويحرمه من الترشح مستقبلاً بعد (4) سنوات، ويحرمه من أية إعفاءات أو عفو عن جرائمه وهي كثيرة، وتؤدّي به حتماً إلى البقاء في السجن بقية حياته. أيّ أنّ ترامب في الطريق حتماً من البيت الأبيض، إلى السجن مدى الحياة، ومن دون نقاش.

على حين أضحى أصحاب الصوت العالي في التحليل ونشر آرائهم عبر كبريات الصحف العالمية داخل أميركا وأوروبا والعالم، يروّجون لفكرة أنّ ترامب هو غورباتشوف أميركا. ولمن لا يعرف فإنّ غورباتشوف تولى حكم الاتحاد السوفياتي بنهاية مارس 1985، وبدأ في تفكيك هذا الاتحاد، إلى أن أعلن عن تفككه رسمياً بنهاية 1991، واستقالة غورباتشوف وتولى بوريس يلتسين رئاسة روسيا التي تعادل 70% من الاتحاد السوفياتي، وهو الذي أجهض بالقوة المسلحة، محاولة الدوما – وهو اسم البرلمان السوفياتي – استعادة الاتحاد السوفياتي مرة أخرى والنظام الشيوعي، فكانت النتيجة السحق وبالقوة العسكرية. وبالتوازي مع ما يحدث في الولايات المتحدة الآن، فإنّ الدولة الأميركية الاتحادية منذ ما يقرب من (250) سنة وتأسّست على يد (جورج واشنطن)، مرشحة لما حدث في النموذج السوفياتي، ويصبح ترامب هو غورباتشوف أميركا!!

وقد كتب المحلل الجاد والمتميّز د. سامي عمارة، تقريراً تحليلياً في جريدة «الأهرام»، نقلاً عن العاصمة الروسية (موسكو)، أشار فيه إلى تلك الهيمنة التي كان يمارسها بوتين (الرئيس الروسي) على ترامب طوال فترة رئاسته لأميركا (2017 – 2021). وتضمّن التقرير شرحاً لوقائع تلك الهيمنة، وكأنه أراد أن يقول: فكما حدث من جانب أميركا مع الاتحاد السوفياتي، وتجنيد المخابرات الأميركية لغورباتشوف ليكون معدل تفكيك الاتحاد، فإنّ المخابرات الروسية ردّت في المقابل على أميركا فعلتها، وجنّدت ترامب ليقوم بهذه المهمة نفسها، وهي تفكيك أميركا إلى مجموعة من الولايات، يرشحها البعض إلى 10 مجموعات، قد تتحوّل إلى دول منفصلة!

الأمر جدّ خطير، والأحداث تمرّ بسرعة للغاية، وما لم يحدث بين ساعة كتابة المقال 15 يناير/ كانون الثاني، وبين يوم النشر 19 يناير/ كانون الثاني، شيء جديد، فإنّ الأغلب أنّ الولايات المتحدة يمكن أن تنتصر بمؤسساتها وتوازنها وانفصالها وتعاونها، بقيادة (السيدة/ نانسي بيلوسي) رئيسة مجلس النواب، التي وصفها البعض بأنها «الكنز الاستراتيجي» للنظام الاتحادي الأميركي، ويتمّ تنصيب بايدن، وفي المقابل الخروج النهائي والمذلّ للمتغطرس ترامب، من التاريخ بلا عودة، وبلا رجعة، وقد يكون الطريق ممهّداً له للوصول إلى السجن محفوفاً بالنيران من كلّ جانب، وربما يكون هذا السيناريو هو الأرجح، في تقديري…

البناء

د. جمال زهران 

 أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.