سعد حمية

أبى دونالد ترامب أن يغادر البيت الأبيض من دون أن يترك إرثًا ثقيلًا للديمقراطية الأميركية التي لطالما أظهرتها آلة الإعلام الأميركية خلافًا للواقع بأنها نموذج يرغب الكثير من دول العالم اعتماده. فاقتحام الكونغرس، رمز الديمقراطية من قبل مناصري ترامب وبتحريض منه، كشف أن الأخير يعشق السلطة المطلقة ويرفض تداول السلطة واحترام إرادة الناخبين وهو مستعد أن يفعل أي شيء للاحتفاظ بها.

قد يعتبر البعض أن هذا الاستنتاج غير موضوعي، لكن هذه الحقيقة تقر بها النخبة الأميركية وعلماء الديمقراطية الذين لاحظوا انخفاضًا تدريجيًا في نوعية الديمقراطية الأميركية خلال السنوات الأربع، وردوا السبب إلى تجذر الحزبية والاستقطاب العنصري منذ ما قبل انتخاب ترامب عام 2016.

ويقول لاري دياموند في مقالة في مجلة "فورين افيرز" العريقة في 5 تشرين الثاني 2020 إن "هذا الرئيس حطم بشدة الأعراف والمؤسسات الديمقراطية إلى أبعد مدى، وكان تركيزه الدائم على الأكاذيب والتضليل، والاعتداء بلا هوادة على وسائل الاعلام والمحاكم والخدمات المدنية المهنية والمعارضة السياسية وكانت جهوده متوجهة إلى التسييس وطلب الولاء الشخصي من الجيش وأجهزة المخابرات وإنفاذ القانون الاتحادي"!
هذه المشكلة ربما يعتبرها البعض فردية ومحصورة بترامب نفسه وهي حتمًا ستزول مع مغادرته البيت الأبيض، إلا أن معظم النخب الأميركية لا تعتقد ذلك وترى أن إرث ترامب باقٍ، فهو أحدث تأثيرًا عميقًا في أوساط المجتمع الأميركي، ولن يتراجع في ظل حالة الاستقطاب والانقسام الداخلي الحالية.

وقد تحدثت صحيفة "واشنطن بوست" عن فكرة "الترامبية التي لا تموت"، لتوقظ بذلك مخاوف الأميركيين من تكرار هذه الظاهرة مرة أخرى إما بشكل فردي أو بلورة وجمع أفكار ترامب في تنظيم أو كيان سياسي مستقبلاً داخل الحزب الجمهوري أو على هامشه وربما بشكل مستقل عنه.
 
ويبدو أن "الترامبية" وفق تعاريف عدة بدأت منذ العام 2016 تتجسد بمواقف سياسية ومبادئ أيديولوجية قوامها القومية المتطرفة، والحصرية العنصرية، وكراهية المسلمين، والكيانية البيضاء، وهي استقطبت أعدادًا كبيرة من أعضاء الحزب الجمهوري خصوصًا اليمين المتطرف فيه وباتت هذه الأفكار عبر كلمات ترامب تحمل قدرًا هائلًا من الوزن والتأثير.

وتؤكد تحليلات عدة أن ترامب لم ينجح إلا لأنّه يعكس توجهات قاعدة اجتماعية عريضة، أصبحت مؤيدةً لخطابه الذي يحاكي هواجسها في موضوع الهوية الأميركية من الثقافات والمجتمعات الأخرى، بخاصة اللاتينية والمكسيكية على وجه التحديد، والإسلامية بدرجة ثانية.

وفي حين أنه من الصعب تحديد كم يوجد من الترامبيين المتشددين، تؤكد الانتخابات الرئاسية الأخيرة أن ترامب حظي بتأييد 74 مليون أميركي، وهؤلاء يشبهونه على حد بعيد في الأفكار والتوجهات، ما يعني أنّ قاعدة اجتماعية عريضة تؤيد طروحاته بالرغم من أنها تهدّد السلم الاجتماعي وقيم التعدّدية والديمقراطية في الولايات المتحدة.

وللاشارة إلى خطورة الترامبيين، يؤكد الكاتب إيريك دريستر في مقالة في "كاونتربنتش" 2/8/2018 أنه إذا أصبح واحد من بين كل 10 ترامبيين متطرفًا إلى حد الانخراط في أشكال غير انتخابية من العمل السياسي، فإن ذلك يعني أنه سيكون هناك ما بين 5 إلى 7.5 مليون أميركي ينضمون إلى مجموعات ميليشيا متطرفة والعصابات الفاشية مثل "الولد الفخور" و"كيو انون "والتشكيلات الأخرى من اليمين المتطرف التي تؤيد ترامب وستخلق كتلة سياسية فاشية حقيقية.

ويذهب البعض الى تحميل قادة الحزب "الجمهوري" مسؤولية السكوت عن أداء وسلوك ترامب، ويقول ريتشارد هاس في مقالة له في مجلس العلاقات الخارجية في 11 كانون الثاني 2021 ان "اولئك الذين منحو وأيدوا ترامب من خلال مواقفهم السياسية والدعم الاقتصادي يتحملون مسؤولية استمرار الاعتداءات على  الضوابط الدقيقة التي تسير النظام ديمقراطي"، كما رأت العالمة السياسية سوزان هايد ـ استاذة في جامعة بيركلي كاليفورنيا ـ  ان سكوت معظم قادة الجمهوريين يضاعف الأضرار المحتملة لهذ الصراع.

ويرى ياشا مونك في مقالة لمجلس العلاقات الخارجية بتاريخ 14 كانون الثاني 2021 أن الحزب الجمهوري دخل بشكل فعال مرحلة شغور في الزعامة الحقيقية، ولا يمكن لنا أن نعرف ما إذا كان سيبقى تحت سيطرة ترامب مع ميول استبدادية حتى موعد الانتخابات الرئاسية التمهيدية عام 2024.

كما يتوقع إيريك دريستر (كاونتربنتش  2/8/2018) مزيدًا من التطرف مع قدوم رئيس تقدمي ينقض الكثير مما فعله ترامب وهذا من شأنه أن يعزز التطرف والمزيد من التنظيم الذاتي ومواصلة التنظيم في كل زاوية من البلد، وبأعدادها التي بالملايين، سوف تحتاج مثل هذه الحركة الفاشية فقط إلى رجل واحد ليحشدها مجددًا.