رياح الشتاء القاسي التي تهب على الشمال السوري، تترافق مع توتير ممنهج جاء بعد الإنسحاب التركي  من نقاط المراقبة في مناطق سيطرة الجيش السوري إلى التحشيد، فالمنطقة في هذه الايام وصلت الى ذروة التوتر على الصعيد السياسي والعسكري والميداني، وخلق بؤر صراع جديدة، تشير الى تمترس تركيا خلف السلاح، ومستمرة في العدوان على سوريا.


فوهات المدافع التركية التي تدخل بشكل يومي عبر الحدود التركية السورية، الى مناطق المجموعات المسلحة، وتتمركز في خطوط التماس مع الجيش السوري، بتخطي الحدود السياسية، حيث تعيش تلك المنطقة تكهنات حول اسباب وداوفع الجيش التركي، زيادة اعداد جنوده وزج العتاد العسكري بهذه الطريقة، بالتزامن مع ازدحام المعطيات التي تؤكد، استمرار اللهاث التركي، خلف تحسين شروط وجودها في سوتشي واستانا واجتماعات اللجنة الدستورية.

ويبدو ان النظام التركي ما زال يستغل الوقت، ضاربا بعرض الحائط اي احتمال مواجهة سياسية مع شركائه الضامنين، بالاضافة الى محاولات انعاش المجموعات المسلحة، من هنا نقرأ ما تشهده مناطق خفض التعصيد الممتدة من جبال اللاذقية الشمالية الشرقية، وصولاً إلى المناطق الشمالية الغربية لمحافظة حلب، مروراً بريفي حماة وإدلب، حركة عسكرية لا تتوقف، انسحابات، ومواقع انتشار جديدة، ونقاط مراقبة تبنى على عجل، تترافق مع استقدام أرتال محملة بجنود ومعدات عسكرية ولوجستية، عبر معابر كانت تربط الحدود التركية السورية، ومعابر استحدثت اثناء الحرب على سوريا.

منذ سيطرة الجيش السوري على مدينة سراقب، لا يمر يوم دون الحديث عن دخول رتل عسكري تركي، او انشاء نقطة عسكرية جديدة، ليصل عدد نقاط الجيش التركي الموجودة ضمن منطقة خفض التصعيد اكثر 65 نقطة، فيما تتحدث مصادر متقاطعة، ان عدد الآليات التركية التي دخلت الأراضي السورية منذ بدء وقف إطلاق النار في خفض التصعيد، نحو 8000 آلية، إضافة لانتشار نحو 10 آلاف جندي تركي داخل الأراضي السورية، بينما وصل عدد الشاحنات والآليات العسكرية للقوات التركية التي وصلت منطقة خفض التصعيد خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر شباط 2020 وحتى الآن، وصل إلى أكثر من 11500 شاحنة وآلية عسكرية تركية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية.

كل ذلك تزامن مع انسحاب الاتراك من 7 نقاط مراقبة من أصل 12 واقعة في مناطق سيطرة الجيش السوري، وهي: مورك وشير مغار بريف حماة، وعندان والراشدين والعيس والشيخ عقيل بريف حلب، فيما يواصل انسحابه من الطوقان بريف إدلب، ومن المرتقب أن يتم إفراغها بشكل كامل خلال الأيام القادمة، أي إن القوات التركية انسحبت من جميع النقاط الرئيسية المحاصرة بشكل كامل باستثناء نقطة الطوقان التي تواصل انسحابها منها على دفعات.

وتؤكد المصادر الى ان التركي انسحب من 4 نقاط بشكل كامل، وهي معرحطاط والصناعة شرق سراقب ضمن ريف إدلب، ومعمل الكوراني بالزربة وقبتان الجبل بريف حلب، ويواصل تفكيك معداتها تمهيداً للانسحاب من نقطة الدوير شمال سراقب، بينما لا تزال عدة نقاط للجيش التركي محاصرة ضمن مناطق سيطرة الجيش السوري ومنها مركز الحبوب جنوب سراقب ومعمل السيرومات شمال سراقب وترنبة غرب سراقب، ونقطة بريف حلب بالقرب من كفرحل، وعند دراسة خريطة انتشار القوات التركية، نلاحظ ان انتشار الجيش التركي في مناطق جبل الزواية تحديدا يقع ضمن تلال حاكمة ومناطق استراتييجة تطل بشكل مباشر ومشرف ناريا على مناطق ومساحات من سهل الغاب وريف حماة وادلب.

تتعدد الاسباب والاهداف لتوسيع نشر الجيش التركي قواته في مناطق الشمال السوري ما بين تكتيكي واستراتيجي، وجميع هذه الاسباب والاهداف لا تستطيع ان تخفي ابعاد المأزق الذي زجت انقرة امنها القومي في اتونه عندما اختارت ان تكون منطلقاً و"دولة منصة" للعدوان على استقرار دولة جارة، والاضرار باستقرارها الوطني، وهنا نفهم ما يراهن عليه التركي من خلال التحكم بمسار الاشغال الذي يعمل عليه.

فعلى الصعيد الاستراتيجي، يشعر النظام التركي بشكل متزايد بضرورة التحضير لمرحلة ادارة بايدن، التي قد تطرح مروحة جديدة من الخيارات التي تخص الوضع الداخلي في تركيا، وتداخلاته مع الوضع السوري، فأنقرة تريد تدعيم اوراقها التفاوضية ضمن اي مشهد مستجد، سواء تجاه الولايات المتحدة التي يبدو انها تتأهب لمرحلة جديدة من الاستثمار في العنوان الكردي، او تجاه موسكو وطهران اللتان تسعيان لتقليم اظافر انقرة في سورية، عبر القضاء على المجموعات الارهابية التي تعتبر ذراعاً للنظام التركي في الأزمة السورية، فمثل هذا التكثيف في التوظيف العسكري يحمل معالم السعي لزيادة الثقل التركي في الحل السياسي السوري، وفي الصراع الجيوبوليتيكي المستمر على خلفية الأزمة، وهنا يجب التذكير بأن الاتراك فشلوا سابقا في تدعيم اوراقهم التفاوضية، بل و خسروا ما تبقى لهم من رصيد لدى الروسي، وهذا نلمسه من الاصرار الروسي على انهاء تواجد المجموعات الارهابية المرتبطة بتركيا في ادلب.

اما على المستوى التكتيكي، فالمسعى التركي يسعى لتحقيق اهداف عدة تتقاطع بعضها مع الاهداف الاستراتيجية، فمن جهة يصعد النظام التركي من مستوى الردع العسكري تجاه مساعي الجيش السوري وحلفائه للتحرير، وهو رهان لم ينفعه سابقاً، اما في الاتجاه الآخر فيساعد تكثيف الحضور العسكري التركي انقرة، على زيادة تحكمها بالمجموعات الارهابية، والحد من قدرتها على المناورة العسكرية والسياسية خارج الارادة التركية، فضلاً عن تعزيز الحماية للقوات التركية، التي استهدفت مؤخراً من قبل مجموعة جديدة تطلق على نفسها "تنظيم عبد الله بن أنيس" في الرابع والخامس من كانون الثاني الجاري، بعد ان كان قد استهدفها سابقاً مسلحون يتبعون لما يسمى ب"كتائب خطاب الشيشاني"، و"سرية انصار ابي بكر الصديق".

لكن ما اثبتته الوقائع والمعارك السابقة، ان ادلب لن تكون مضمارا لتحسين شروط التفاوض، بل هي نهاية وهم المجموعات المسلحة وداعميها، وهي ارض سورية ستعود ويندحر الارهاب، ومعركة سراقب وقبلها معرة النعمان، تشرح ما نعنيه تماما، عندما انكفأ الطامعون بكل عتادهم، وتدخلهم المباشر بالمعركة، ونقاطهم العسكرية المنتشرة في اغلب مناطق العمليات العسكرية، والتي حوصرت، وانسحب منها الجيش التركي في نهاية المطاف.

حسام زيدان - العالم