لا يكترث جامعو العملات لسعر صرف قطعة نقدية، ولا لتأثيراتها الاقتصادية. براعتهم تكمن في ندرتها، زمن صكّها، وارتباطها بحدث تاريخي معين!

لكل ذلك، لم يسأل همام عبد الرحمن، نفسه حين أمسك بورقة الخمسة آلاف ليرة: "كم لبثنا"؟.

وبعكس السوريين الذين أرّق خبر طرح ورقة نقدية جديدة من فئة 5000 ليرة أجفانهم، تلقى عبد الرحمن الخبر بفرح، فثمّة قطعة فريدة ستكمل فسيفساء لوحته النقدية التي أمضى سنوات في تشكيلها.

اهتمّ طالب الثانوية السوري، همام عبد الرحمن، أصغر باحث في مجال العملات والنقود القديمة في الوطن العربي، بألوان العملات أكثر مما اهتم بقيمتها، واهتم بالرسوم التي تزينها وبمدلولات رموزها أكثر مما يعنيه أثرها التضخمي أو قيمتها الشرائية، فامتدّ شغفه بجمع العملات على عشرة أعوام، جمع فيها مئات القطع النقدية المعدنية والورقية، مذ كان عمره ثمان سنوات حتى أصبح اليوم طالباً في الصف الثالث الثانوي العلمي.

في عصر القفزة الرقمية التي تظلل العملات الوطنية للبلدان، لا يسهل فهم ذلك الطراز من الهوايات التي تحتضن همام بشغفها، لوهلة، قد تبدو أنها هاربة من أجيال سابقة، إلا أن ذلك لم يمنع الشاب السوري من الهيام بها على اعتبارها مزيجا تاريخيا وعاطفيا خالصا.

وكأنه يلملم حقبة من التاريخ، يحاول همام جمع أكبر قدر ممكن من العملات بكلتا يديه، فيما يتحدث لـ "سبوتنيك" عن هوايته وأبحاثه في تأريخ النقد، فيقول: "لم تكن هوايةَ، بل كان شغفاً وحلماً أعمل على تحقيقه، بدأتُ بجمع العملات المختلفة، أما الآن فأنا أركز على جمع العملات السورية بشكل خاص، ولدي جميع إصدارات مصرف سورية المركزي من العملات السورية".

ويتابع: "لم أكتف بجمع العملات فقط، بل حاولت أن أوثق تاريخها أيضاً، فأصدرتُ كتابين أحدهما رصدت فيه تاريخ النقد في سوريا والمشرق العربي، والآخر أوثق فيه تاريخ النقود في دول أفريقيا العربية، كما أعمل حالياً على كتاب مختص بتاريخ العملات في سوريا من عام 1911 إلى 2011".

"تحصيل حاصل"، هكذا يصف عبد الرحمن طرح عملة الـ 5000 ليرة سورية للتداول، فيرى أن طرح العملة الجديدة في السوق لا يترك أثراً تضخمياً على الاقتصاد السوري، سيما أن طرحها يستهدف تلبية احتياجات التداول الفعلية من الأوراق النقدية، وتسهيل المعاملات النقدية وتخفيض تكاليفها، بالإضافة لتخفيف الكتلة النقدية لدى البنوك والمتعاملين بهذه العملة.

لا يمكن أن تمرّ عملة مزورة من بين يدي عبد الرحمن، فهو يتفحّص كل ورقة في مجموعته بحذر واهتمام، يحرك الأوراق أمام الضوء، يحدد علاماتها المائية ويركز انتباهه في خصائصها الأمنية، كالشريط الأمني والملون، والصور ثلاثية الأبعاد.

لم يتوقف طموح عبد الرحمن عند هذا الحد، فيبين في حديثه لـ "سبوتنيك"، أنه يسعى لنشر ثقافة جمع العملات القديمة، حيث يرى في جمع العملات أكثر من هواية، يرى فيها توثيق تاريخ اقتصاد دول وحضارات بأكملها، مؤكداً أنه وفي كلّ مرة سيضم قطعة جديدة لمجموعته لن يسأل نفسه "كم لبثنا"، بل سيقول: "نحن نحب بلادنا، فلنوثّق تاريخها"!