اعتبارًا من تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2015، انتشرت أول دفعة من الوحدات الخاصة الأميركية في سوريا تحت عنوان التحالف الامريكي لمحاربة "داعش"، وتباعًا مع تطوّر المعركة، ومع تداخل مهمات تلك الوحدات مع مستجدات الميدان داخل سوريا، والتي كانت تتغيير بشكل دائم، تمّ تعزيز تلك القوات تحت شعار دعم قوات سوريا الديمقراطية ومجموعات أخرى من "المعارضة" السورية (ظاهريا)، وعمليا كانت لدعم مجموعات ارهابية، وكّلَتها بشكل ضمني ومخفي، بتدمير وتفتيت الدولة السورية وضرب بنية الدولة والجيش والحكومة.

وتحت شعارات غامضة، لا تحمل أي تبرير، لا سياسي ولا عسكري، من التي من الممكن أن تغطي أي تدخل عسكري لدولة داخل أخرى، وبما يشكل احتلالاً واضحاً بكامل التوصيف القانوني والعسكري، ما زالت تلك الوحدات الأميركية تحتل قسماً غير بسيط من الأراضي السورية في شرق وشمال شرق البلاد.

عمليًا، حتى الآن لم يثبُت الأميركيون، بإداراتهم المختلفة، ديمقراطيين أو جمهوريين، على تحديد أهدافهم بدقة من احتلال مناطق في شرق وشمال شرق سوريا، وحيث من غير المنطقي، حتى في مفهوم وذهن أي قوة احتلال، أن تتحرك وحدات عسكرية بكامل تجهيزاتها، آلاف الكيلومترات بعيدًا عن بلدانها، مع كل ما يحمل هذا التحرك والإنتشار من خطورة وتداعيات مختلفة، دون أن تكون المهمة واضحة، كي يبنى عليها مناورة او استراتيجية واضحة، وكل فترة يصرح المسؤولون السياسيون او العسكريون، عن هدف مختلف عن الآخر، ليعود المتابعون لهذا الاحتلال من جديد، لتقدير أو استشراف الأهداف الحقيقية لواشنطن، وما هي الاستراتيجية المرتقبة التي يمكن أن تحقق تلك الأهداف.

المستجد في هذا الإطار، ما صرح به البنتاغون أمس، حول تغيير تلك الأهداف (العلنية)، من حماية النفط السوري (عمليا هو تغطية وحماية سرقة النفط السوري) والذي كان الهدف الأحب على قلب الرئيس السابق دونالد ترامب، الى العودة لمحور الأهداف الأساسي (العلني طبعا) وهو محاربة الارهاب، والذي انطلق التحرك الاميركي والتدخل في سوريا على أساسه، برعاية وقرار من الرئيس أوباما وبمشاركة فاعلة في القرار من نائبه حينها والرئيس الحالي جو بايدن.

اللافت في اعلان البنتاغون هذا، انه يأتي مباشرة وبعد فترة قصيرة جدا، من اكثر واخطر حراك ارهابي وميداني، قامت به عناصر “داعش” داخل سوريا، منذ آخر معركة لها بمواجهة “قسد” والأميركيين في الباغوز جنوب شرق سوريا عام 2019، وبعد توقيف وأسر عشرات الآلاف من عناصر التنظيم.

وحيث كالعادة، تتعارض وتتناقض الأهداف المعلنة للأميركييين من وراء احتلالهم لأراض سورية، من الضروري محاولة عرض بعض أهم هذه الأهداف، ومحاولة ربطها، ليس فقط بقرار تغييرها من قبل الادارة الجديدة، بل بما يمكن أن تقدمه لاستراتيجية الأخيرة بشكل عام على الصعيد الدولي، وليس فقط في المنطقة أو في سوريا ومحيطها.

أولًا: يدخل هذا التغيير في أهداف الإدارة الأميركية الجديدة في سوريا، من ضمن مسار التمايز عن سياسات ادارة ترامب، والتخلي أو إلغاء نسبة كبيرة منها، على الأقل في النقاط التي يمكن المناورة فيها، وحيث يشن الرئيس جو بايدن حاليا معركة تصفية شرسة على إرث ترامب، وخاصة على صعيد السياسة الخارجية، يمكن وضع هذا التغيير في هذا الإطار، دون أن يعني ذلك عدم امكانية العودة مجددًا الى اعتماد هدف تغطية وسرقة النفط السوري، كون ذلك يحمل بعدًا استهدافيًا لتماسك الدولة السورية الاقتصادي والمالي، والذي يدخل ضمن استراتيجية الضغط الأميركي أو الغربي الواسع ضد سوريا.

ثانيًا: البعد العسكري، والذي لا يمكن استبعاده ايضا من سياسة تغيير الاهداف وتخفيفها، حيث حدد تصريح البنتاغون عدد الوحدات الاميركية في سوريا بحوالي 900 عنصر، ليُستنتج من ذلك ان هذا العدد لن يرتفع في الوقت الحاضر، لذلك تم تحديد الاهداف بمحاربة داعش فقط، كون حماية ابار النفط في شرق سوريا، تتطلب جهودا اكبر في العديد والتجهيزات والاليات، الامر غير الوارد كما يبدو حاليا، او في المستقبل القريب، لحساسية الموضوع في الداخل الاميركي، ولكي لا تُطبع سياسة بايدن منذ البداية بزجّ وحدات اميركية اكثر خارج الوطن، وأيضًا، هذا لا يعني بالمطلق، عدم العودة عن القرار وإدخال وحدات عسكرية أميركية أكثر في سوريا، حيث الإمكانية اللوجستية والعملانية موجودة، انطلاقًا من عشرات القواعد الجوية والبرية القريبة، في العراق أو في تركيا أو في الخليج (الفارسي) أو الاردن، خاصة أن قاعدة التنف ما زالت تشكل نقطة ارتكاز أساسية ورئيسة، لتنفيذ أي تحرك مشبوه أو غير مشبوه، تقوم به الوحدات الأميركية في سوريا، وفي التوقيت الذي تختاره.

أخيرًا: البعد المتعلق بسياسة بايدن بمواجهة اللاعبين الآخرين، المعنيين أو المؤثرين في سوريا، وعلى رأسهم روسيا وتركيا وايران و"اسرائيل"، وحيث تنتظر العلاقة المرتقبة للادارة الأميركية الجديدة مع كل من هذه الأطراف، تغييرًا أو اشتباكًا أو منافسة أو مواجهة، من المنطقي أن يكون “طعم” تغيير الأهداف في سوريا، والذي رمته واشنطن بمواجهة هؤلاء، نقطة ارتكاز أو انطلاق للسياسة الجديدة، فيما يتعلق بالملف السوري وبارتباطاته الإقليمية والدولية، والذي، وهذه هي النقطة الأهم والأكثر حساسية، يتطلب متابعة دقيقة، أن يكون هذا القرار (تغيير الاهداف وحصرها بمحاربة داعش)، تمهيداً لقرار الانسحاب الأميركي من سوريا، في محاولة لتجنب مغطس التورط المؤذي للولايات المتحدة الاميركية، على الأقل كما حصل لها في رعايتها الحرب على اليمن، لأن المغطس السوري سوف يكون أشد إيلاما على الأميركيين من المغطس اليمني.

شارل ابي نادر – العهد