كتبت في زاوية سابقة عن ضرورة استقلالية الأجهزة الرقابية وتغيير تبعيتها الإدارية ومنح المفتشين تعويضات مناسبة لطبيعة عملهم لتقوم هذه الأجهزة بالدور المطلوب منها، لكن أمر تفعيل هذه الأجهزة يحتاج إلى أبعد من ذلك وهذا ما لمسته من خلال الاتصالات الكثيرة، فالأجهزة الرقابية تشكل حالة ضغط على الجهات العامة لدرجة أن أحداً لا يجرؤ على التعليق خوفاً من استهدافه من قبل هذه الأجهزة بما يؤشر إلى وجود حالات كيدية في عمل هذه الأجهزة، ولكن المشكلة الأكبر في عمل هذه الأجهزة تتجسد في غياب مديريات مستقلة مختصة بدراسة الاعتراضات، حيث يتم حالياً تحويل الاعتراض إلى مُعد التقرير وبالتالي لن يُدين نفسه .
المفتش يتمتع بحصانة القاضي ولكن في آليات الاعتراض هناك فرق كبير بين القضاء والتفتيش، فعندما يعترض المُدعي أو المدعى عليه على قرار القاضي يكون من خلال آلية منظمة تبدأ بالديوان ويتابعها المحامي ويُمكن مخاصمة القاضي ونقل القضية لقاضٍ آخر وحتى نقض الحكم، أما في الأجهزة الرقابية فالمفتش يقوم بكل شيء ويتم إرسال التقرير للجهة المعنية بالبريد ويُمكن أن تتأخر الجهة المعنية بإبلاغ المعني أو تتقصد ذلك ويفقد حقه بالاعتراض ويُمكن أن يرفض اعتراضه بالأساس وخلال التحقيق يُمكن أن يرفض المفتش استلام وثائق أو يرفض إضافتها للملف وكل ذلك يخضع لشخص المفتش وهناك من يقوم بتهديد المُعترض والانتقام منه لأنه اعترض.
كل ما هو غير مقونن يخضع للمزاج والشخصنة ويكون باباً للفساد، وعليه يجب أن تعاد دراسة آلية عمل الأجهزة الرقابية ويكون هناك دائرة خاصة بالاعتراضات ولها ديوان مستقل يقدم المعترض كل ما يريده من خلال هذا الديوان وفي هذه الحالة تنضبط الأمور وتقل الشخصنة في معالجة الملفات ويكون المُفتش ملزماً بإنهاء التقرير بزمن محدد وتمديده بشكل قانوني.
معظم القضايا التي تم تحويلها من الأجهزة الرقابية إلى القضاء تم حسمها لمصلحة المُعترض وهذا يعني أن هناك خطأ في قرار أحد الجهتين أما القضاء أو التفتيش ولكن الأقرب إلى المنطق أن الأصح للقضاء لأن القضاء يأخذ بكل ما يقدمه المعترض دون أن يُهمل شيئاً لوجود محامٍ متابع لمسير القضية وديوان يسجل كل الوثائق على عكس التفتيش الذي تسير معاملاته بشكل سري ولا يستطيع المُعترض تقديم وثائقه ومتابعة القضية.
وجود دائرة اعتراض بكوادر كفوءة وخبيرة يُنهي كثيراً من حالات الظلم والشخصنة والفساد في عمل الأجهزة الرقابية والجهات العامة ويضفي جواً من الشفافية على العمل.
أيضاً يجب أن يكون هناك آلية معينة لمحاسبة المفتش وبشكل مستقل غير المجلس التأديبي لأن هناك حالات كثيرة لممارسات بعض المفتشين تسببت في ظلم الناس وتوقف العمل دون أن تجرؤ الجهة العامة بالاعتراض خوفاً من الانتقام، فالمفتش يجب أن تكون كل ملاحظاته وتعليماته للجهة العامة مكتوبة وليست شفهية كي يتحمل المفتش مسؤولية قراره ولا سيما في حالات انعكاس ذلك سلباً على العمل.

صحيفة الثورة