هل ستمكثُ لجان المحروقات طويلاً في غفلتها عن مخاطر هذه السوق المتقاطعة مع روح الحصار والعقوبات ..؟!

علي محمود جديد

ليس عبثاً أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بحجب خدمات بطاقات الائتمان العالمية عن سورية، وحرمان أبناء الشعب السوري من التعاطي مع هذه البطاقة، التي كان يمكن أن توفر للكثيرين فرص عمل وأرباح باتت خلال تلك السنوات القليلة الماضية شبه خيالية، وذلك عبر العديد من الأعمال والأنشطة الإلكترونية المرتبطة ببطاقة الائتمان الدولية الممنوعة في سورية وبالتالي فإن خدماتها محجوبة عنها ..!

وتستمر الحالات العدوانية ضد سورية من هذا المنحى إلى درجة محاولات النيل من بطاقات الائتمان الإلكترونية المحلية، ليس بتعطيلها، وإنما بتعطيل كل ما من شأنه تسهيل استخداماتها، كبطاقات الصراف الآلي مثلاً، حيث استمرت بالعمل في حين برزت صعوبات هائلة في عمليات صيانة الصرافات، فتعطل الكثير منها، نتيجة عدم إمكانية استيراد قطع الغيار اللازمة، ولا صرافات جديدة بطبيعة الحال، وبقي الأمر متردياً إلى حد كبير حتى وصلتنا أخيراً مجموعة صرافات صينية أنقذت الموقف نوعاً ما، وصار التردي أقل وطأة مما كان عليه.

بطاقات الصراف

كانت فكرة الصرافات هامة جداً وحضارية ومفيدة، وقد لمس ذلك من وطّن راتبه وبدأ بالاستخدام بسلاسة وأريحيّة، ولكن ما إن بدأت العقوبات الجائرة على سورية تشتد، والإرهاب الاقتصادي المتمثّل بالحصار اللاإنساني الجائر أيضاً حتى تحولت تلك الصرافات وبطاقاتها من نعمة إلى نقمة، وراح الكثيرون يطالبون بإلغائها والعودة إلى استلام رواتبهم كاش من المحاسبين.

البطاقة الذكية

استطاعت وزارة النفط والثروة المعدنية أن تبني – من خلال نظام العمل في البطاقة الذكية – قاعدة معلومات هامة جداً مكنتها من التحكّم بشكل دقيق بتوزيع أسطوانات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية الأخرى، على المنازل والسيارات، فقد انتهت مشاهد الازدحام في أرضها تماماً بالنسبة لمراكز الغاز بسبب الحالة الحضارية والمريحة التي فرضتها البطاقة الذكية، حيث مكنت شركة محروقات من تخصيص كل أسرة باحتياجاتها من الغاز بفترة محددة، واستطاعت الأسرة عبر تطبيق ( وين ) مراقبة اقتراب دورها بالحصول على الأسطوانة، ومن ثم إبلاغها عبر رسالة على الجوال عن إمكانية الحصول على الأسطوانة في وقت محدد، ثم يذهب أحد أفراد الأسرة في ذلك الموعد المحدد إلى المركز المتفق عليه، ويحصل على الأسطوانة فعلاً بكل سهولة ويسر، ولا يُعكّر صفو هذه العملية سوى حالتين:

الأولى :

تأخر التوريدات النفطية بسبب الحصار والعقوبات، فيتأخر دور الحصول على الأسطوانة بما يتناسب مع وصول التوريدات، غير أن الدور يبقى محافظاً على ترتيبه دون تجاوزات.

وإزاء هذا التأخير ينسى بعض الأخوة المواطنين الدور المريح للبطاقة الذكية، والمتاعب التي وفرتها بالفعل عليهم، فيصبّون جام غضبهم على هذه البطاقة وكأنها هي المعنية بالتأخير، والأمر ليس كذلك، فهي بموجبها يتم توزيع ما هو متوفر وبهدوء، بعيداً عن تلك المشاهد القاسية للازدحام، وإدراك السبب الحقيقي في التأخير ليس عصياً على كل من يريد ذلك، إنه التأخير بالتوريدات ولا علاقة للبطاقة بهذا الأمر، فهي فقط أتهت حالة عشوائية التوزيع وكانت صعبة جداً.

وكذلك الأمر بالنسبة لباقي المشتقات ( البنزين والمازوت ) فلا مشكلة بها على الإطلاق مع البطاقة لولا تأخير التوريدات الناجمة عن العقوبات والحصار الجائر.

الثانية:

التلاعب الحاصل وعمليات السرقة والنهب للمخصصات التي تجري تحت أجنحة الظلام، والتي لا يكاد يعرف أحدٌ كيف تتم، ولا إن كانت تتم فعلاً أم لا بسرعة وبساطة لولا أن السوق السوداء المفضوحة هي التي تُفصح وتوضح، ففي السوق السوداء نجد كل واحدة من المشتقات النفطية متوفرة وبكثرة ولكن بأسعار مضاعفة، وبطبيعة الحال لولا تأخر التوريدات التي يفرضها الحصار، ومعه عمليات السرقة والنهب الجارية للثروة النفطية السورية شرقي الفرات، ما كان هناك أي مكانٍ للسوق السوداء التي تشير وبما لا يرقى إليه الشك إلى أن ثمة تخاذل ما يحصل ولا بد من مكافحته، والتخاذل في الحقيقة خطير يكاد يُبدّد تلك الجهود المضنية التي تبذلها وزارة النفط مع جهات مختلفة من أجل تأمين ما يمكن تأمينه من المشتقات النفطية، كما أن هذا التخاذل يشكل تسهيلات لوجستية موصوفة تستهدف انتعاش السوق السوداء، بل وازدهارها، وهي سوق بكل حالاتها تؤدي إلى نمو حالات الضيق عند الناس واستفزازهم، لتتلاقى متقاطعةً بقوة مع أهداف العقوبات والحصار التي عبّر عنها جيمس جيفري مؤخراً بوضوح شديد بأن الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب عملت على حرمان الشعب السوري من النفط والقمح لتأليب الناس على الحكومة ..!

كشفٌ وتحقق .. فمن المسؤول ..؟

إن كان جيفري ( وهو ما كان يُسمى مبعوثاً أميركياً إلى سورية ) يوضح بكل خُيلائه مثل هذه الجريمة للإدارة الأمريكية السابقة، ويكشفها بلا تردد وكأنّ شيئاً لم يكن، فكيف يمكننا السكوت عن كل مسؤول يساهم بالتقاطع في أعماله مع حكايات جيفري ..؟!

لا بد من البحث بدقة، وبلا هوادة عن هؤلاء ومحاسبتهم هم ومن يسهّل لهم أعمالهم الخبيثة، وبهذا السياق من الضروري والمهم جداً الإشارة وبقوة إلى لجان المحروقات في مختلف المحافظات، والتي تبدو وكأنها نائمة، لأنها مهما بذلت من جهود ستبقى جهودها منقوضة وغير مرئية إن لم تقم بوضع حدّ نهائي للسوق السوداء المتفاقمة في كل مكان على الرغم من الوضع الحرج في البلاد.

ولذلك على لجان المحروقات في المحافظات أن تستفيق جيداً، وأن لا تكتفي باستعراضاتها باجتماع هنا وآخر هناك، عليها أن تتحرك .. وتبحث .. وتُنقّب .. وأن تدفع بنفسها وأذرعها وأدواتها إلى الميدان بقوة، وتضع يدها على مكامن الخلل ومخابئ هذه السوق وتقطع دابرها بكل حسم ولا تردد ولا مجاملات .. إلاّ إن كانت شريكة لما يحصل .. وهذا ما لا نرجوه.

سيريا ستيبس