مع إعادة طرح مشروع قانون للاستثمار الجديد للنقاش تمهيداً إصداره... هل التعديلات المقترحة هي ما تحتاجه البلاد فعلاً في هذه المرحلة؟

عاد مجلس الشعب منذ أيام إلى مناقشة مشروع تعديل قانون الاستثمار، والذي كانت قد أعدته الحكومة السابقة...
المشروع في صيغته النهائية لم يطرح للنقاش العام أو حتى توسيع دائرة النقاش حوله خارج اللجان الحكومية المعتادة، وتالياً فهو لا يحظى باتفاق مختلف الفعاليات الاقتصادية المعنية به.
ليست المسألة دوما في حجم التسهيلات والإعفاءات الممنوحة للمستثمرين، والتي تثار حول طبيعتها في مشروع التعديل المقترح تساؤلات كثيرة، ولكن المهم اليوم هو في الشريحة التي يفترض أن يستهدفها القانون المقترح، ومعالجته لكل الثغرات والسلبيات السابقة، والناجمة عن تطبيق القانون المعمول به حالياً...
ربما لم يسأل المعنيون أنفسهم عند إعداد المشروع المقترح: من الذي سوف يستثمر في سورية في ظل وجود عقوبات أمريكية تستهدف كل من يستثمر أو يتعامل مع سورية؟ وهل تجربة الاستثمار الأجنبي قبل الحرب كانت ناجحة؟
قد يكون هناك مستثمر خارجي واحد أو اثنين أو حتى عشرة يرغبون بالاستفادة من الفرص الاستثمارية المغرية الموجودة في سورية، ولا يأبهون بالعقوبات الأمريكية، إنما ذلك ليس كافياً لاعتباره أساساً يبنى عليه قانون للاستثمار، فالتعويل على الاستثمار الأجنبي كان رهاناً خاسراً منذ سنوات ما قبل الحرب..!
الوحيد الذي يمكن أن يعول عليه في المرحلة القادمة هو المستثمر المحلي، سواء الموجود في الداخل أو الذي اضطر للخروج إلى دولة أخرى، بدليل أن الاستثمارات التي استمرت بالعمل خلال سنوات الحرب كانت في معظمها محلية... فهل راعى القانون المقترح ذلك؟ وألا يجب منح المستثمر المحلي مزايا تفضيلية؟
ومن الضروري بعد ثلاثة عقود على أول قانون استثمار أن تكون هناك آليات تضمن تحقيق هدفين أساسيين:
-الأول تمكين الحكومة من توجيه الاستثمارات قطاعياً وجغرافياً، لاسيما بعد المتغيرات الكثيرة التي أفرزتها سنوات الحرب المدمرة، وأولويات التنمية.
-الثاني ضمان تنفيذ المشروعات بعد تشميلها وحصولها على التراخيص اللازمة، وذلك ضمن فترة زمنية معينة، فالسمة السائدة منذ عقود لدينا هي أن المشروعات المنفذة لا تشكل سوى نسبة قليلة جداً من المشروعات المشملة...!
النقطة الأخرى الهامة، والتي يفترض أن يتوقف عندها أعضاء مجلس الشعب ومناقشتها بكثير من التفصيل، تتعلق بمستقبل هيئة الاستثمار السورية...
ففي التعديل الجديد تفقد الهيئة استقلاليتها وتتحول إلى مجرد جهة تابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، في حين أن المنطق يقول إن تسهيل عمل المستثمرين يتطلب منح الهيئة مزيداً من السلطة والاستقلالية، وسابقاً كانت هناك دعوات لنقل تبعية الهيئة من رئاسة مجلس الوزراء إلى رئاسة الجمهورية... فما هي الأسباب التي دفعت بالحكومة إلى تقزيم الهيئة ومحاصرتها بهذا الشكل؟ وطالما أن هناك مجلس إدارة تتمثل فيه كل الجهات المعنية بالمناخ الاستثماري... فما هو المبرر لمثل هذا التعديل، فحتى عندما كانت الهيئة عبارة عن مكتب قبل عقدين ونيف من الزمن كان يتبع لرئاسة مجلس الوزراء!.
القانون المقترح يحتاج إلى نقاش عميق قبل أن يقر، إذ من الصعوبة بعد صدوره إجراء أي تعديلات عليه بالنظر إلى أن عملية جذب الاستثمارات تتطلب تقديم ضمانات حقيقية أهمها ما يتعلق بالاستقرار التشريعي، ضمان حقوق المستثمرين، وتسهيل إجراءاتهم.

المشهد