بقلم  نداء حرب


الحديث عن سوريا وعن الأزمة السورية التي لازالت مستمرة منذ عشر سنوات الى الآن، يطول، والبتّ في الأسباب والبدايات التي أدت الى نشوئها يمكن أن يستمر لساعات وربما لأيام.
 لكن الواقع المرير الذي فُرض على سوريا وأبنائها لابد أن يضم في طياته الدور الهدام للولايات المتحدة الأمريكية، ومساندتها أشخاص أو جهات على حساب أخرى، لتحقيق مصالحها الشخصية كدولة عظمى، بموازة تبجحها أمام الرأي العام على حد تعبيرها بأنها تسعى جاهدة لينال الشعب السوري حريته ويحقق إزدهار بلاده.
 
لقد ورد في البيان الختامي لمحادثات أستانة 15 أن الدول الضامنة ترفض خلق حقائق جديدة في سوريا تحت ستار مكافحة الإرهاب، بما في ذلك مبادرات الحكم الذاتي غير المشروعة، في إشارة إلى شمال شرقي سوريا المدعوم أمريكياً، وانتقد رئيس الوفد الروسي في مؤتمره الصحفي ممارسات الولايات المتحدة في نهب النفط السوري، وهاجم الوفدان السوريان ممارسات ما يطلق عليها قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من عمليات تغيير ديموغرافي، وتغيير المناهج الدراسية والتجنيد الإجباري، والتعاون مع قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في تدمير الإقتصاد السوري.
 
فقد بات معروفاً أن شركة "دلتا كريسنت إنرجي" الأمريكية للطاقة وقَّعت قبل أشهر مع ميليشيات قوات سوريا الديمقراطية اتفاقاً لتطوير حقول النفط في شمال شرقي سوريا، وبهذا فإن توسع واشنطن في سوريا يناقض تصريحات كان البنتاغون أعلنها صراحةً، برفع الحماية عن آبار النفط التي باتت قوات "قسد" المرتبطة بالإدارة الذاتية الكردية تشرف على عملها.
 
إن توقيع الإدارة الكردية اتفاقاً مع شركة النفط الأميركية "دلتا كريسنت إنيرجي" في 30 يوليو/تموز 2020 وبمصادقة من مجلس الشيوخ الأميركي يأتي في خضم المساعي الكردية للإفلات من حزمة العقوبات التي تفرضها قوانين العقوبات الأميركية، ومنها "قانون قيصر"، الذي طُبق في منتصف عام 2020 على سوريا، وأجهزة الحكومة السورية والأفراد والمؤسسات المرتبطة بها.
 
يكمن النفاق في أن الولايات المتحدة تريد منع إمداد الحكومة السورية بالنفط، بسبب قانون "قيصر"، لكن "قسد" بحاجة إلى منفذ لبيع النفط في الأسواق المجاورة. مما يضع "قسد" في حالة من الارتباك على المستويين الوطني والإقليمي، إذ ستخضع أي عملية لتصدير النفط إلى مناطق الحكومة لعقوبات بسبب إسهامها المباشر في العمليات العسكرية.

 في حين، تشكّل عائدات تلك الآبار النفطية مصدر الدخل الأساسي للقوات الكردية، ومن أبرزها حقل "العمر"، الذي يعد أكبر حقول النفط السورية مساحةً وإنتاجاً، ويحل بعده في الترتيب حقل "التنك"، في دير الزور الشرقي، بالإضافة إلى حقل "كونيكو" أحد أكبر معامل معالجة الغاز في البلاد. 
باشرت الشركة الأمريكية أعمالها في منطقة شرق الفرات بعد أن أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية إعفاءً من وزارة الخارجية ووزارة الخزانة الأمريكية، لإبرام الاتفاقية بينها وبين "قسد"، مما أدى الى زيادة إنتاج النفط بنحو 60 ألف برميل يوميًا، وبالتالي توفير دخل يومي يبلغ ثلاثة ملايين دولار أمريكي، كما قدمت الشركة مصفاتي نفط متنقلتين لتكرير النفط دون الحاجة لبناء مصافي دائمة.
 
"قسد" ليس لها وضع دولي من الناحية القانونية، وإبرام هذه الإتفاقية ومباشرة العمل بها يعد التفافاً على القانون الدولي وعلى العقوبات التي فرضتها أمريكا بحجة محاربة الإرهاب والضغط على الحكومة السورية الممانعة لأهداف أمريكا، والتوسع المتزايد لرقعة النشاط الأميركي في ظل الإدارة الأميركية الجديدة، جاء بعد أن استدركت خطأ انسحابها سابقاً وصححته، لا سيما بوعيها التام بأن سوريا والعراق يمثلان تاريخياً منطقة نفوذ روسية، وهو ما يشكل كابوساً لأمريكا ورعاعها.