المشروع الأميركي الصهيوني (الاستعماري قديماً) لا يخرج من بلد أو إقليم خالي الوفاض، فإنه يزرع دوماً بذور الشقاق وألغاماً قابلة للانفجار في أي لحظة، وهو ما نرى له ظلالاً في سوريا وبقية الدول العربية.

إنَّ الفكر الإنساني هو وليد الانتماء، والانتماء عبارة عن نتاج تجارب الإنسان والمؤثرات المحيطة به، وتضارب الأفكار هو الطريقة المثلى لإنتاج الصواب. وما دون ذلك يبقى عبثياً.

إن التفاؤل والتشاؤم متشابهان بشغفهما لمعرفة المستقبل. ولكي نعرف المستقبل، علينا المساهمة في صنعه، وصناعة المستقبل تتطلب وجود الفكر، وللفكر أنواع، منها الأفكار الصلبة، وهي قابلة للكسر أحياناً مع الضغط، والأفكار السائلة التي تأخذ شكل القالب المصنوع لها.

أما نحن، للأسف، فإننا نرى أن أفكارنا تحولت إلى حالة من حالات المادة تشبه الحالة الغازية، فللمادة حالات معروفة، هي الصلبة والسائلة والغازية، لكن مع انحسار المد التحرري الذي شهد صلابة في الموقف، تحولت الشعوب إلى حالة من السيولة، وتباعدت ذراتها، واتخذت شكل الأوعية والخطط التي نسجت لها. أما الآن، وبعد زيادة الضغوطات والترهل الحاصل في المنطقة، أصبحت أفكارنا ومواقفنا في حالة غازية بخارية، تتباعد ذراتها، وتملأ أيّ فراغ متاح أمامها، ما يجعل جمعها أمراً صعباً.

هذه الحالة خطيرة جداً مع خطورة التحولات العالمية الكبرى، لأننا بذلك نفقد مكاننا بين الأمم. ورغم ذلك، نجد مساحات صلبة في الميدان، كالمقاومة التي لم تتخذ شكل الأوعية المحضرة لها مسبقاً، والتي يراد إدخالها فيها لتناسب أهداف القوى الكبرى، وهو ما يجعلها مستهدفة دائماً، واستهدافها مستمر حتى تدميرها.

لإنقاذ هذه الأمة، لا بدَّ من عملية عكسيّة تعتمد على "تسييل" الحالة الغازية ثم تجميدها، الأمر الذي يعيد إلى الأمة صلابتها وثباتها على مواقفها. هذه العملية، وسط الظروف المحيطة والمتربصة بنا، تبدو صعبة، إلا أنها حتمية تاريخية، إذ إن أي فكرة جيدة يمكن أن يكون تطبيقها سيئاً، حتى الأفكار الدينية المثالية لا تطبق بشكل جيد أحياناً، فما بالكم بالأفكار المدنيّة! المهم في الفكرة هو انتشارها الواسع. صحيح أنها قد لا تأخذ الاهتمام الكبير، لكنها تظل مجرد إنتاج ثقافي إنساني له تراكميته وتطوره مع الزمن.

لأنَّ المشروع الأميركي الصهيوني (الاستعماري قديماً) لا يخرج من بلد أو إقليم خالي الوفاض، فإنه يزرع دوماً بذور الشقاق وألغاماً قابلة للانفجار في أي لحظة، وهو ما نرى له ظلالاً في سوريا وبقية الدول العربية، وذلك عبر استقطاب تيارات وجماعات متشددة، لجعل كل قضايا الوطن خلافية، لأن الصراع حالياً لا يدار فقط من المؤسّسة العسكرية، بل من قبل علماء نفس واجتماع واقتصاد... كما أن تدخلاتهم العسكرية بالمطلق لن تساعد التطور الطبيعي للمجتمع، بل على العكس، تعمل على تدمير ما تبقى منه، ذلك أنهم اعتمدوا دوماً على العمل وفق قاعدة "ما لا يدرك كله، لا يترك كله".

وبهذا، نجحوا في تشويش المفاهيم والمصطلحات وفرض البلبلة بين الشعوب والتشكيك في المواقف والقرارات، لكنهم، وإلى حد بعيد، لم يستطيعوا السيطرة على النخب في مجتمعاتنا، وهو ما جعلهم يسيطرون على الفئة الهشة فكرياً، فنحن لم نهزم حضارياً، بل هزمنا عسكرياً، وهو ما يعطينا دعماً للاندفاع من جديد وقوةً لإحياء الشعور النهضوي.

إنّ الهدف الثابت هو تفكيك المنطقة وإعادة رسم خرائطها على أسس إثنية ومذهبية وقومية. هذه الحدود لا تعبّر عن حال الأمة، بل تعبر عن تكوين الأمة ضمن حدودها المرسومة لها. وتجدر الإشارة إلى أن المسيحية المشرقية، وعلى مر السنين، كانت عابرة لخطوط "سايكس بيكو"، ولم تعترف بها قط، فالبطركية الكاثوليكية الأنطاكية في دمشق تدير حتى الآن أمور المسيحيين في لبنان والأردن وفلسطين والعراق. من هنا، نفهم لماذا كان مطران القدس في المنفى، المطران إيلاريون كبوجي، سورياً، وهو ما ينطبق على الكثير من الأمثلة، بينما شركاؤنا في الوطن من المسلمين، وعلى اختلاف طوائفهم، أقروا بهذه الخطوط المصطنعة، بل وكرّسوها عبر مؤسساتهم الدينية ودور الإفتاء. وفي بعض الأحيان، تكون العلاقة بينهم غير طيبة.

قبل الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام، كان معظم سكانها من السريان المسيحيين، إضافةً إلى بعض القبائل العربية المسيحية، مثل الغساسنة، لكنَّ الاضطهاد البيزنطي آنذاك لسكان المنطقة، أدى إلى الترحيب بالدعوة الجديدة التي قدمت إليهم من شبه الجزيرة العربية، والتي كانت بمثابة الخلاص لهم، وهو ما جعلهم يتعاونون معهم ضد بطش البيزنطيين، ومن ثم أدوا دوراً كبيراً في إنشاء الدولة الأموية لمعرفتهم باللغة العربية وخبرتهم بإدارة المنطقة. 

وقد دخل الكثير منهم في الدين الجديد، وبقي الآخرون على دينهم، لأنهم من أهل الكتاب (لهم ما لهم وعليهم ما عليهم)، وعاشوا مع إخوتهم المسلمين على امتداد كل الجغرافيا السورية. ومع مرور الزمن، ظهرت في الإسلام طوائف عديدة. ونتيجة للاضطهاد والمذابح التي عانوها، مثل مرج دابق وغيرها، اضطروا إلى التمركز في مناطق معينة. أما المسيحيون، فقد عاشوا مع الجميع، وتحملوا ما تحملوه، ولم يفرغوا مناطقهم، بل ظلوا منتشرين في كل الأراضي السورية، لا بل إنهم الوحيدون الذين يختلطون مع كل الأطياف من دون استثناء، وينسجون معهم علاقات جيدة، ويعيشون معهم.

يمكن تشبيه ذلك بلوحة فسيفسائية جميلة مؤلفة من عدة رقع ملونة من كل الألوان، ويبقى الصمغ الذي يجمع كل تلك الرقع هو الأساس (المسيحية المشرقية)، ففي حال سحب الصمغ من هذه اللوحة، تداعت جميع الرقع وفرط عقدها. وفي رأيي الشخصي، من هنا جاءت أهمية المسيحية المشرقية، وذلك لتكمل اللوحة ويظهر جمالها للعالم. 

وقد تنبَّه الغرب الاستعماري إلى الدور الأساسي الذي يؤديه المكون المسيحي في الشرق، وانزعج منه لنقطتين مهمتين، هما عدم اعترافه بخطوط "سايكس بيكو" وأداؤه دور الرابط الأساسي لكل أطياف المجتمع (كالصمغ في اللوحة). 

لذلك، عمل على ضرب المسيحيين وتهجيرهم وتفريغ مناطقهم، وما زال يعمل حتى يومنا هذا على تفريغ المنطقة منهم تحت مسميات ومشاريع مختلفة (حروب أهلية مصطنعة، احتلال، إرهاب، الأصوليات الدينية...). وبعد ذلك، يتحلل المجتمع، وتظهر دول طائفية بامتياز ومتقوقعة ومنعزلة، تبرر يهودية "إسرائيل"، ويتم ابتزازها من الدول الكبرى بشكل أكبر مما هو حاصل اليوم في بعض الدول. 

 لكن مهما حاول البعض تبرير الأمر بثورات من هنا وحراك من هناك على أنها حالة تطور طبيعي للمجتمع، فقد أثبت الواقع أنّ كل التنظيمات والجماعات، مهما كان اسمها، هي أدوات تخدم المشروع المعادي الهادف إلى تفتيت المنطقة وتشتيتها، وهو ما سمي بمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، الذي يراد له أن يولد من رحم "الفوضى الخلّاقة".

هذا في العنوان. أمّا في التفاصيل، فنحن أمام مسرح عمليات يتضمن المئات، بل آلاف المشاهد المتداخلة والمعقدة، بسبب وجود حالة مقاومة لمشروع التفتيت الذي يؤخر حتى اللحظة تثبيت معالم الخارطة الجديدة للمنطقة. ويمكن تشبيه هذا الواقع بلوحة فسيفسائية ذات مظهر حزين، لكن هذه اللوحة تتضمّن رقعاً كثيرة مبعثرة. وإذا تمعنا فيها، نرى أن بعض الرقع المفرحة لا تطغى على المنظر العام للوحة المحزنة.

إن استكمال بناء الهوية، سواء الوطنية منها أو القومية، لا ينفصل عن مهمة استئناف بناء الدولة الوطنية بمؤسساتها وشرعيتها، بوصفها مشروعنا تجاه المستقبل وتجاه أنفسنا. كمرحلة أولى، يترافق ذلك مع رؤية واضحة للهوية ونظرة شاملة إلى الانتماء (هو عقد داخلي بين القوى المتنوعة والمختلفة داخل المجتمع). كما أن حرية التعبير عن وجودهم ومعتقداتهم ضرورة، والاحتكام إلى مبدأ المواطنة أساس الكيان الوطني، لتحصينه وتقوية مناعته الداخلية لمواجهة التحديات الخارجية. 

إن الحرية تسبق أي فكر أو معتقد، ولا يجوز التقوقع والانغلاق والانعزال، وذلك لحماية المعتقدات والإرث التاريخي، كما قال الزعيم الهندي المهاتما غاندي: "سأفتح نوافذي للريح من كل الجهات، لكني سأحرص على ألا تقتلع جذوري".

 ومما سبق، نؤكد التجديد المستمر للهوية مع مرور الزمن، وتطور المفاهيم مع مرور الأيام، واستنتاج العبر من التجارب التي مررنا بها، وأن تكون الحداثة من ثقافتنا، وليست مستوردة، لتكون الهوية مستمرة ومستقرة، فتكون بذلك مع الوطن والمواطن كمصباح يضيء له المستقبل.

هناك مشكلة في أنّ القيادات والشعوب لم تحسن التعامل مع "العولمة والعلمانية"، وأيضاً مع "القومية والدين"، ففي عصر صراعات "الشرق والغرب"، كانت المنطقة العربية ساحات حروب بين المعسكرين، كذلك الأمر في فترة "القومية والدين"، وبعدها في حقبة "العولمة"، إذ ازدادت الانقسامات العربيّة البينيّة على أسس محاور إقليمية وطائفية، وها هي عدّة بلدان عربية تشهد صراعاتٍ أهلية وإقليمية تتناقض تماماً مع حقيقة الأديان ومضامين الرسالات السماوية، وكانت محصّلتها التخلّي عن الهُويّة العربية المشتركة.

إن العروبة في الأساس هوية جامعة، وليست برنامجاً سياسياً. وعندما ندافع عن تلك الهوية، يتشكّل لدينا ما يعرف بمفهوم القومية العربية المتسامح والمحب للقوميات الأخرى، وعلى العروبيين أن يكونوا مثلاً في التفاني والتضحية، فشعور العرب بالفرح والحزن إزاء بعضهم البعض في كلّ مجالات الحياة من فن وثقافة وسياسة... عابر للأقليات والأديان والحدود والدول، فقد أدت الأقليات عبر التاريخ دوراً جيداً في كل المجالات، فكم من مفكر وباحث من الأقليات أغنى تراثنا العروبي تحت اسم الوطنية!

إن محاولة ضرب الهوية والثقافة العربية وتشويه فكرة الانتماء إلى العروبة والوطن، من خلال بثّ الفكر المتطرّف (ديني وقومي) القائم على إلغاء الآخر، لن تجدي نفعاً مع القوميين الذين لن ينجروا وراء الطائفية والإثنية، لأن الفكر العروبي أعظم وأكبر من أن تستوعبه انفصاليتهم وتقوقعهم، ولأن فكرهم الأسود مبني على الغريزة المتوارثة.

أما فكرنا العروبي، فهو مبني على العقل الذي يعد الأساس لبناء دولة المواطنة الديمقراطية التي لا تُبنى على التطرف. وبما أن اللغة والتاريخ والمصير المشترك، لا الدين وحده، صاروا جميعاً أدوات مهمة لبناء الشعور بالهوية والمصير الواحد. لذا، وجب علينا أن نرفع اهتمامنا بحقوق الأقليات القومية والدينية، لأنهم شركاؤنا في الوطن وسنده الدائم، ولأننا نرى أن فصل الدين عن الدولة وقيام الدولة العلمانية مخرج لكثير من الأزمات، مع التأكيد على حرية الأديان والمعتقد، واعتبار الدين الإسلامي المنفتح السمح الأساس في هذه الدولة المدنية، كما نؤكد التديّن الوسطي، كما أشارت إليه الكتب السماوية، وأن لا يكون هناك تطرف أو إقصاء للطرف الآخر، وأن لا تكون الظواهر الدينية (الحجاب والصليب) هي ظواهر تحدٍ وإثبات وجود، بل أن تكون مظهراً حضارياً لحرية المعتقد.

لقد بادر أبناء الأقليات الدينية والعرقية، كالمسيحيين، في لبنان وسوريا وفلسطين، مثل القروي وبشارة الخوري، إلى إحياء القومية العربية والدعوة لها، ولا سيما القومية العربية العلمانية، إذ كان القوميون العرب ملتزمين بالمشروع النهضوي العربي على كل الصعد، لوجود واقع متخلف في جميع المجالات، ولأن التحديات الخارجية تستخدم هذا الواقع المريض المتخلف لتنفيذ مخططاتها بتدمير الأمة وجعلها خانعة لا حول لها ولا قوة. لذا، وجب علينا مراجعة الفكر القومي مراجعة المحب، وليس الحاقد، واستخلاص عناصر القوة منه، وتطبيق القانون والأخلاق لحل مشاكلنا، لأننا اليوم نخوض معركة الإرادة، كما خاض أجدادنا قبلنا معركة التحرير. 

وحتى يحظى هذا الفكر بشرعية، يجب أن يكون فكراً جماهيرياً له شعبية واسعة، ولا يعود حكراً على النخب، كما هو الآن، فإن النجاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على الصعيد الداخلي، وتحقيق الرخاء، ورفع منسوب الشعور الوطني، وصيانة كرامة المواطنين، هو أساس وضرورة لنجاحه، فليس من المنطق التنظير على إنسان يعاني متاعب في جميع نواحي الحياة، لأن ذلك يعطي مفاعيل عكسية، ولا نستطيع أن ننتظر منه التضحية من أجل الوطن والمبادئ، فبعد زمن يفقد الإنسان مناعته الوطنية، ويصبح أداة خائفة وضعيفة ومرتهنة، ويذهب إلى التقوقع ضمن أقليته الدينية أو القومية أو الاستجداء بالخارج، ليؤمن له الحماية ويضمن حياة أفضل. وبهذا، يفقد الفكر جماهيريته الجامعة، ثم نفقد الوطن ككيان. 

إنّ الاهتمام بالإنسان وبناءه مهمة لا تقلّ صعوبة عن غيرها، سواء الذي يعيش داخل الوطن أو خارجه، كما أن بناء الفرد لا يكفي، بل يجب بناء المؤسسات بناء حضارياً، لأنها مسؤولة عن حماية الأفراد وحقوقهم وإنجازاتهم ومساهماتهم التي يقدمونها للوطن، فكم من إصلاحي تم قمعه من قبل المؤسسات اللاحضارية!

لقد اعتبر القوميون على مدى عقود أن القضية الفلسطينية بكل جوانبها هي جوهر القضية العربية، وأنها القضية المركزية للأمة العربية، لأن الحسّ القوميّ سيعود من بوابة القدس، والقدس عروس عروبتنا، وأي صراع آخر سيكون ضياعاً للطاقات العربية الذي يؤدي بالضرورة إلى استنزاف الأمة ودفعها إلى مزالق خطيرة، وبالتالي نفقد مبررات وجودنا كالنقيض الأول والمباشر للوجود الصهيوني، كما يحصل الآن. 

لكي نحجز لنا مكاناً على خارطة العالم، يجب أن ينخرط هذا الفكر بالضرورة مع المحور المقاوم من دون التخلي عن الهوية، ويذوب في المشروع الإقليمي للمقاومة، لأن من لا خير فيه لهويته لا خير فيه لحلفائه أيضاً. إن تماسك محور المقاومة بحاجة إلى لاهوت تحريري وإلى الهوية العربية، لأنها مظلة واسعة تقي من لهيب المذهبية والطائفية، وهي المؤهلة لحماية كل الأديان والثقافات والأعراق والإثنيات، وكل فعل مقاوم هو توحيد لهذه الأمة. وكما أثبت التاريخ، لا يمكن توحيد الأمة على قاعدة الاستسلام.

إن إقامة علاقات حسن جوار مع دول الجوار الحضاري للأمة العربية تعد إحدى ركائز المشروع النهضوي العربي، وتشكل عمقاً استراتيجياً وحضارياً للأمة العربية، كما ندعو أيضاً إلى أفضل العلاقات بين العرب وإيران وتركيا على قاعدة احترام السيادة الوطنية والمصالح المشتركة والعلاقات الندية المتكافئة.

أما مفهوما القومية السورية والقومية العربية، فإنني أجدهما مكملين لبعضهما البعض، لأن سكان سوريا الطبيعية هم عبارة عن تعاقب 40 حضارة نشأت على أرضهم، ويمكن القول إنَّ هناك استمرارية للشعب نفسه منذ ظهور أول حضارة (إيبلا – ماري) وحتى العصر البيزنطي، ومن ثم الفتح الإسلامي، فقد بقي أساس السكان ثابتاً. ما تغير هو اختلاط بسيط بشعوب أخرى من هنا وهناك، تعاقبت على المنطقة عبر الحضارات المتعددة، مع تغير طفيف في اللغة الأصلية، فلا يمكننا القول إن سكان الدولة الأموية غير سكان الدولة العباسية، وأن الشعب تغير في العصر الأيوبي أو عصر المماليك أو العصر العثماني، ويجب التأكيد على هذه الفترة من تاريخ سوريا، ولا يمكن طمسها أو تجاهلها، فإن ذلك يثبت أن السوريين هم تمازج شعوب انصهرت عبر التاريخ لتكون تلك الخلطة الجميلة. 

بعد انتشار المسيحية وانقسام الكنيسة حول مفهوم طبيعة السيد المسيح، عانى بعض السوريين الاضطهاد الديني، ما أدى إلى هجرة الكثير منهم إلى شبه الجزيرة العربية، وخصوصاً النساطرة، حتى إنهم أخذوا معهم آلهتهم وتجارتهم وعاشوا هناك. 

وبعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام، انتقل مركز الدولة الإسلامية إلى الإقليم السوري في دمشق وبغداد، حيث ظهرت الإمبراطورية الإسلامية والحضارة الإسلامية التي تعتبر أحد نتاج الحضارة السورية والقيم السورية بشكل أساسي. إذاً، نستطيع القول إن مفهوم العروبة هو في الأصل مفهوم سوري المنشأ، إذ لم تنضج الظروف في شبه الجزيرة العربية لتشكل هوية قومية وطنية عربية، وإنما نضجت هذه الظروف بعد الوحدة الثقافية مع الهلال الخصيب، لا لتشكيل هوية عربية، وإنما لإضفاء نوع من العروبة على الهوية السورية الأصيلة.

لكن المشكلة هنا هي الخلط بين الأصل والفرع، فالأصل هو الهوية السورية، والفرع هو العروبة كامتداد أو مظهر خارجي للهوية السورية الأصيلة. وبهذا، يُحل الخلاف المتشكل بين القوميين المنقسمين إلى قسم عروبي وقسم سوري، حيث لا أساس موضوعياً للخلاف، لأن كلا المفهومين مرتبط بالآخر تاريخياً، فبعض السوريين القوميين وصل بهم التطرف إلى حدود إنكار كل ما هو عربي، واكتفوا بالتاريخ القديم، أي حذفوا أكثر من 1600 عام من تاريخ سوريا، لينتهي بهم المطاف الفكري إلى نوع من الفوضى.

والحقيقة أن الغفلة عن هذا المبدأ الجوهري هي التي أعطت المذاهب الدينية في سوريا المدية التي قطعتها، بين نزعة إسلامية عربية ونزعة مسيحية فينيقية مزقت وحدة الأمة وشتتت قواها. 

وهنا، أستشهد بمحاضرة نظمت في العام 1948 للمفكر أنطوان سعادة جاء فيها: "أن تكون الأمة السورية إحدى أمم العالم العربي أو إحدى الأمم العربية، كما أن كون الأمة السورية أمة عربية، لا ينافي أنها أمة تامة لها حق السيادة المطلقة على نفسها ووطنها". أيضاً، كانت هناك محاضرة للمفكر زكي الأرسوزي، تطرق فيها إلى موضوع الهلال الخصيب، إذ ليس من مضار لقيام الوحدة السورية كدرجة أولى لبناء الجسم العربي، لأنه ليس هناك أي تعارض في المشروعين.

وعليه، ندرك أكثر من أي يوم مضى أهمية الانقسام حول فكرة الهوية الجامعة التي لم يعد النقاش حولها مقتصراً على النخب، كما كان الحال قبل عقود إلى الوراء، بل بات الجدل عامّاً، وخصوصاً بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

نحن الآن ضمن مرحلة أصبح العامّة فيها يعتقدون أنّ العروبة باتت عامل تفرقة لا جمع، لا بل إنّ بعضهم يجزم بذلك، وهو أمر صحيح في الشكل إذا ما نظرنا إلى الأمور بسطحية، لكنه خاطئ في المضمون إذا ما قاربنا الأمور بتعمق ودراية، إذ أدى دعاة الإسلام المتعصب، ومعهم وسائل الإعلام (البترودولار)، دوراً سيئاً في إلباس القومية التي تشكل حاضناً جامعاً لكل الأعراق لبوس العلمانية الملحدة، الأمر الذي جعل قسماً كبيراً من عامة الشعب ينجر وراء هذا الخطاب الذي أدى لاحقاً إلى الترويج للفكر التكفيري.

إنَّني على ثقة بأنَّ الوطن باقٍ، والأمراض التي ذكرتها سوف تزول، ولو بعد حين، والإشكاليات والجدل القائم ينميان ديناميكية حياة المجتمع، وهما عاملا قوة إذا ما أحسنّا استخدامهما، كما أنَّ أعمار الأمم لا تقاس بالسنوات، لأننا نهضم الوقت لنربح الزمن.

درغام داوود
رئيس الجالية العربية في المجر

الميادين