تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها زعزعة الاستقرار في سوريا والمنطقة، ولم يعد نكران الحقائق بعد 10 سنوات من القتال حالة عرضية.

اجتمعت قوى متناقضة المصالح والتوجّهات في شنّ الحرب على سوريا، لغاية علنيّة وغير مواربة، هدفها الوحيد إسقاط "الحكومة – الدّولة"، وإعادة تشكيل نظامها السياسي، وتحديد دورها الخارجي بعيداً من محور المقاومة، فضلاً عن دورها التاريخي البعيد والحديث، لكنَّ تحالف العدوان الهجين لم يستطع تدجين هدف استراتيجيّ ضخم كهذا، يبرّر ضخامة الائتلاف بين دول عظمى وأخرى إقليمية (بعضها يراوح في التفاهة بقيمته) والجماعات المسلّحة، من الجماعات "الإخوانية" إلى تنظيمي "النصرة" و"داعش" وأخواتهما، كما لم يستطع تدجين التناقضات بين أعضائه لزمن طويل. وقد تشظَّت الجريمة التي جمعت بينهم عنوةً أمام صمود سوريا الشعب والدولة.

بثقةٍ، أشاعت القيادات السياسيّة والإعلاميّة وغرف العمليات العسكريّة المشتركة لهؤلاء أنّهم قاب قوسين أو أدنى من نصر محتّم خلال 3 أشهر فقط. بعض الواهمين استبدل الصلاة في الجامع الأموي في دمشق بالصلاة في المسجد الأقصى في القدس. إيهود باراك، رئيس حكومة تل أبيب آنذاك، كان أكثر تفاؤلاً من حكّام الدّوحة والرياض وأنقرة  ، ووضع مدى زمنياً لسقوط دمشق لا يتجاوز الأسابيع.

الأشهر الثلاثة امتدَّت إلى سنوات، والإخفاقات في الجبهتين العسكرية والسياسية بلغت ذروتها بعد 10 سنوات، والوعود بـ"صيدة" سهلة ذهبت أدراج الحسابات الخاطئة والمستخفّة بسوريا وصلابتها أولاً، وبقوَّة المحور الذي تنتمي إليه ثانياً.

الصلاة في المسجد الأموي لم تكن أحد أهداف قادة العدوان في الغرب، من واشنطن إلى العواصم الأوروبية، وفي "تل أبيب" بالطبع. لقد تركوا هذه الأوهام "لإخوةٍ" في العالمين العربي والاسلامي. إنّ غايتهم واضحة لا لبس فيها، تتمثل في إسقاط الدولة وتسليمها إلى "الفوضى" والمجهول، وإلى التفكك والتشظي الذي يناسب "صدفةً" طموحات "إسرائيل" في أن تكون سوريا ضعيفة فاقدة للقدرة على المواجهة، كي تمرر صفقات الاستسلام والانبطاح بهدوء (اتفاقيات أبراهام)، للضغط على الفلسطينيين وعزلهم عن عمقهم الاستراتيجي وإجبارهم على التخلّي عن حقوقهم.

لا شكَّ في أنَّ العقد الأخير من تاريخ الصراع على سوريا هو الأشرس والأكبر، ولكنَّ العدوان على سوريا "الحديثة" لم يبدأ منذ 10 سنوات فقط، والأطماع بالسيطرة على "سوريا التاريخية" وموقعها الجيوسياسي الأهم في العالم تمأسست عبر الزمن، وغطَّت عدوانها بعناوين "دينية" طائفية، كما في "الحملات الصليبية" في الماضي، وفي "حقوق الإنسان والديمقراطية" اليوم. 

معظم دول المنطقة تحتاج إلى الإصلاحات بنسب متفاوتة، وسوريا إحدى هذه الدول، لكنَّ رفع القوى الغربية هذا الشّعار تفوح منه رائحة النفاق، بدعمها الأنظمة في السعودية وقطر و البحرين، التي موّلت هذه الحرب بالمال والسلاح، والأخطر، بإيديولوجية الكراهية والحقد الطائفي والمذهبي الأسود الذي تجاوز كل الحدود في سوريا، كما أن دعوات الإبادة لمكونات اجتماعية، والتي صدرت عن مجالس تزعم "تمثيل العلماء"، استعرت، وأرادت تكريس "أنَّ ما يجري هو حرب مذهبية".

فَشِل هذا التزوير، ولم تستجب القيادة السورية ومحور المقاومة للدعوة المشبوهة والسعير الوحشي، وتم رفضها بشكل طبيعي، بحكم معاكستها عقيدة المحور وأخلاقه الجوهرية، لكنّ ثقافة "شيطنة" القيادة السورية باقية منذ 10 سنوات على حالها. 

في كلّ مرة يُطرح فيها ملف الأزمة السورية في المنتديات الدولية، تنقضّ آلات إعلامية متنوعة من جديد لإعادة تدوير سيل من الأكاذيب التي تعدّ جريمة من جرائم الفساد العميق المعشّش في أقبية صناعة السياسة لقوى الاستعمار الحديث في الغرب، وفي الشرق عند معظم أنظمة التبعية.

عندما تستهدف الإمبراطورية الأميركية بلداً لتغيير نظامه، فإنها تشرع في نزع الشرعية عن زعيمه، بغض النظر عن الأدلّة المتوفرة على نسبة دعم شعبه له. مراسل صحيفة "الغارديان"، جوناثان ستيل، المتخصّص في الشأن السوري، تعرَّض لانتقادات حادّة حين كتب في بداية الأزمة عن دعم معظم السوريين لحكومة بلادهم الشرعية ورئيسها المنتخب بشار الأسد، "لكن ذلك لن يُعرف أبداً في وسائل الإعلام الغربية".

الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، تأسَّف لأنه لم يمنع انزلاق ليبيا إلى "الحرب الأهلية"، رغم أنه يتحمل مسؤولية كبيرة في ذلك البلد، لكن مسؤوليته أكبر في الحرب على سوريا، كما يلاحظ بيتر فورد (سفير بريطانيا الأسبق في دمشق)، وهو يرى أن سوريا، بمكوناتها الاجتماعية الثرية، من أكثر الدول تقدماً في الشرق الأوسط بمزاج علمانيّ قويّ، وأن تزويد الولايات المتحدة للإرهابين المتعطشين إلى الدّماء بالسّلاح والعتاد "كان إهمالاً إجرامياً، بحجَّة الأولويّة القصوى لإزاحة الأسد على أيّ اعتبارات أخرى".

تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها زعزعة الاستقرار في سوريا والمنطقة، ولم يعد نكران الحقائق بعد 10 سنوات من القتال حالة عرضية. ربما نحتاج في هذه الحالة إلى ابتكار "عيادة طبّية" للشّفاء من عناد سياسيٍّ يزيد جريمة على الجرائم المرتكبة، وهي إن نجحت اليوم بتأجيل موعد المحاسبة على ارتكابها، فلن تنجح غداً. إنَّه منطق التاريخ لا السّياسة.

المصدر: الميادين نت