في ضوء مشكلة السكن وأزمة العقارات التي تتضخّم يوماً بعد يوم، وفي مرحلة جديدة بدأنا بها بإعادة إعمار ما تهدّم خلال سنوات الحرب، يلحظ الكثيرون ازدياد المساحات الشاغرة من أراضي الدولة غير المستثمرة، هذه المساحات التي تعتبر مصادر وموارد مجمّدة في زمن نحن أحوج ما نكون فيه لاستحضار هذه الموارد إن لم تكن موجودة، فكيف إذا كانت هذه الموارد موجودة ولكنها غير مفعلة، ما يدعو لخطط فورية لتنظيمها وتطويرها عقارياً أو حتى استثمارها في مجالات أخرى عديدة.

إعادة الإعمار
أسئلة كثيرة حملناها إلى مديرية أملاك الدولة في وزارة الزراعة لتكتفي بدورها بإجابات مقتضبة لا تروي ظمأ المواطنين المتعطّشين لحلول واقعية تقضي على مشكلة السكن، مع زيادة ضخ الثقة في الوضع الاستثماري القائم في البلد، حيث أكد محمد العلي مدير عام أملاك الدولة أن المساحات الشاغرة من أراضي الدولة والإصلاح الزراعي في سورية بلغت حتى نهاية 2010 (2168538) هكتاراً، وهي عبارة عن أراضٍ صخرية وجبلية ومراعٍ وتوسع سكاني، إلا أن الظروف التي مرّت على القطر حالت دون إحصاء الأراضي الشاغرة بعد هذا التاريخ، مشيراً إلى أن مهام المديرية في مرحلة إعادة الإعمار لا زالت مستمرة ولم تتوقف، من تخصيص وتأجير واستثمار، مبدياً استعداد المديرية للتعاون بشأن المشاريع الجديدة لإعادة الإعمار، إذ إن وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي ممثلة بمديرية أملاك الدولة والإصلاح الزراعي جاهزة لتنفيذ أية خطة تتعلق باستثمار أراضي أملاك الدولة في مرحلة إعادة الإعمار وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة المتعلقة بإدارة تلك الأراضي، كما يتمّ التعاون مع باقي الجهات لشغل هذه الأراضي، وخاصة في مرحلة إعادة الإعمار واستثمارها، حيث يتمّ التعاون مع الجهات العامة من خلال التخصيص، تخصيص أراضي الدولة للجهات العامة (وزارات- مؤسسات عامة- هيئات عامة..)، لاستخدامها في المشاريع ذات النفع العام، على أن تبقى الأرض باسم الدولة وتوضع إشارة تخصيص لمصلحة الجهة العامة على الصحيفة العقارية للعقار المخصّص، كذلك يتمّ نقل أراضي الدولة الواقعة ضمن المخططات التنظيمية المصدقة أصولاً للوحدات الإدارية لاسمها في السجل العقاري وفق أحكام القانون رقم 273 لعام 1956 المعدل لتنفيذ مشاريعها.

تجاوزات
العلي لم ينفِ وجود تجاوز واعتداء على أراضي أملاك الدولة بأشكال متعدّدة، حيث يقوم بعض الأشخاص بالتجاوز على هذه الأراضي دون وجه حق بكافة أنواع التجاوزات من سكن وزراعة ومنشأة، وتتخذ المديرية إجراءات معينة حيث ينظم بحقه قرار نزع يد حسب الأصول ونزع يده فعلاً وترسل نسخة منه إلى المحافظ المختص للإيعاز إلى الجهة المختصة للتنفيذ، ويضمن ضعف أجر المثل بشكل حقيقي لحفظ حق الخزينة العامة للدولة عن مدة الإشغال وتحرك بحقه دعوى جزائية.

استثمار وتنسيق
عبد الرحمن قرنفلة (خبير زراعي) تحدث عن أملاك الدولة التي تتوزع وفق مواقعها، فالبادية بأكملها أملاك دولة، وهناك عقارات بمناطق زراعية وعقارات بمناطق سكنية، كذلك عقارات مؤجرة لفلاحين أو مستثمرين، إضافة إلى عقارات موضوع عليها اليد من قبل أشخاص معيّنين، وعقارات صادر بحقها قرارات نزع يد، لذا من المفيد وضع خارطة طريق لإعادة استثمار أراضي أملاك الدولة وفق منهج يحقّق تنمية الإنتاج الزراعي ويحقّق عائداً مجزياً للدولة، مشيراً إلى وجود عقارات من أراضي أملاك الدولة حول دمشق مستثمرة سياحياً كالمطاعم، وأجورها رمزية للغاية.

وطرح قرنفلة حلولاً كإعادة دراسة العقارات الموجودة في المناطق السكنية أو مناطق قابلة للتطوير العقاري، مع ضرورة عدم بيع الدولة الأراضي الموجودة بالمناطق السكنية ومناطق التطوير العقاري ولا تقوم بتأجيرها بل تقوم باستثمارها وفق مبدأ الـ BOT إضافة إلى ضرورة العمل على وضع صيغة لاستثمار أراضي أملاك الدولة الزراعية بما يحقّق استثمار كل شبر يمكن استثماره، ومن المفيد النظر إلى التجربة المصرية وتوزيع بعض من أراضي أملاك الدولة لخريجي الهندسة الزراعية مع منحهم قروضاً ميسّرة وبفترات راحة طويلة حتى يقوموا باستثمارها وبالتنسيق مع نقابة المهندسين الزراعيين.

غياب الدراسات
في المقابل يجد أهل الاختصاص ضرورة وضع اليد على الوجع الحقيقي والذي تفاقم خلال سنوات الأزمة، مع ازدياد المساحات غير المستثمرة والتي ما زالت حتى الآن بانتظار خطط لإعمارها وتخفيف العبء السكني أو إدخال استثمارات ترفد الاقتصاد الوطني، حيث وجد إياد خلوف (مهندس عمارة) ضرورة ملحة اليوم في البحث عن الموارد المجمّدة وتنشيطها، وأولى هذه الموارد هي أملاك الدولة وهذا مطلب حق في هذه المرحلة على وجه التحديد. لكن وبرأي خلوف عدم وجود دراسات جديّة لتفعيل هذه الموارد سيحول دون استثمارها، لذا نحن بحاجة اليوم لدراسة هذه المصادر بشكل إفرادي، لكل مؤسسة.. لكل قطعة تنظيمية.. لكل مورد، سواء خدمي أو إنتاجي، يجب أن تدرس هذه المصادر على حده من أجل إيجاد الحلّ الأمثل لإعادة إدراجها ضمن الاستثمار، كذلك الأراضي غير المستثمرة وضرورة تبني فكرة التشاركية بين القطاعين في مرحلة إعادة الإعمار واستثمار أراضي أملاك الدولة، وهذا يتطلّب وجود فريق عمل متكامل يدرس إمكانية التوسع في مناطق غير مستثمرة بما يخدم المحيط المستقبلي للمدينة، وهنا يجب أن تؤخذ عدة أمور في الحسبان أهمها مراعاة ألا تكون هذه الأرض زراعية أو مناطق لا تخلق ضرراً بيئياً، أو بعيدة عن المناطق الصناعية أو بعيدة عن البحيرات والمناطق الخضراء فليست كل الأراضي المملوكة من قبل الدولة تصلح لاستثمارها، إضافة إلى شرط عدد السكان وضرورة وجود المياه، وعندما تتواجد الأرض تكون الخطة الاستثمارية متغيّراً ضعيفاً جداً أمام حجم وأهمية العنصر الموجود.

ميس بركات - البعث