غالب قنديل
ما أعلن حول الاتفاقات الاقتصادية والمالية بين الصين وإيران، يشير الى نواة تكتّل جديد ستنهض بنتيجته قوة اقتصادية عملاقة في الشرق والعالم. وهذه بالذات فرصة ثمينة لسورية ولبنان والعراق لأن إيران تعطي أولوية في توجهاتها لشركاء محور المقاومة.

أولا: إن هذه الشراكة تؤشّر الى أفق واسع للتعاون الاقتصادي بفضل ما لدى الصين من مزايا تقنية وصناعية متطورة ولقوتها الاقتصادية العالمية، التي وصفها علماء وباحثون في الغرب والشرق بأنها تحوّلت الى قطب عظيم واسع والتأثير، وصفه البعض بأنه استطاع أن يتحوّل في زمن قياسي الى “إمبريالية سوق”، باتت قادرة على غزو جميع بلدان العالم وربطها بمصالح مشتركة.

يركّز علماء الاقتصاد السياسي في الغرب على مزايا القوة المالية الصينية الضخمة والطاقة الاستثمارية، التي يوظّفها الصينيون في مشاريع التعاون الصناعي والزراعي وتنمية الطاقة المنتجة عند البلدان، التي تشاركها الصين. وهذا أمر يختلف جوهريا عن توجّهات الإمبريالية الغربية بجميع دولها، ولا سيما الولايات المتحدة، التي حوّلت البلدان التابعة في العالم الثالث الى أسواق استهلاك، دُمّرت فيها فرص النمو ومرافق الإنتاج. والميزة الصينية النوعية لا تقوم فحسب، على احترام سيادة الدول وخياراتها الوطنية، بل إنها تحاكي فرص التنمية الاقتصادية وتعزيز القدرات الوطنية لدى الشركاء وتكافؤ الفرص في التجارة البينية. وأهمية الاستثمارات الصينية في العالم الثالث أنها تركز على خطط الآجال الطويلة لتنمية الصناعة والزراعة وتطوير الصادرات.

ثانيا: في جميع الشراكات الصينية مع دول العالم الثالث كان تطور التجارة البينية مع الشركاء ونمو الصادرات الصينية الى الدول الأخرى مرتبطا بالحقائق الاقتصادية. والصين، التي يصفها بعض الباحثين بـ”إمبريالية السوق” نظرا لحجم انتشار منتجاتها واتساع نطاق نشاط استثماراتها المالية والاقتصادية في الخارج، تقيم علاقات متكافئة في خارطة المصالح المشتركة مع الدول الأخرى، وتحترم السياسات العليا للشركاء، وبالتالي فهي تقدم فرصا تاريخية للنهوض باقتصادات البلدان الشريكة في العالم الثالث، وتساهم في نقل التكنولوجيا وتطوير الصناعة والزراعة وتنمية الموارد الوطنية لشركائها.

لذلك فإن الشراكات الصينية بعيدة عن نزعة الهيمنة والنهب، التي لازمت ولا تزال نهج الغرب الاستعماري بجميع دوله، حيث تّقيَّد الدول بشروط خانقة وتُقرَن المساعدات والهبات والقروض بإملاءات مهينة، تمسّ بالسيادات الوطنية للبلدان، وتتحول معها الدول الأخر الى أسواق استهلاك للسلع الغربية، بينما تُنهَب الثروات دون قيد أو شرط لمصلحة الشركات الأميركية والغربية. ويَقترن كل ذلك بأخطبوط بنكي متعدّد الجنسيات، يلقي القبض على روح التنمية وفرصها.

ثالثا: إن لبنان بموقعه وبطاقته البشرية وبالفرص المقبلة، التي قد تنطوي عليها مكتشفات النفط المحتملة في المياه الإقليمية، يقبل على إمكانات تنمية موارد اقتصادية متنوعة وتحقيق قفزة هائلة في معدلات النمو خلال العقود القادمة. ولكن ذك يتطلّب التحرّر من قبضة الهيمنة الغربية، ومن الأفكار المتخلّفة، التي تبقي البلد مستعمرا وخاضعا للهيمنة، وتجعل الشعب مستَلَبا لفكرة التبعية للغرب ولوظيفة السوق الخاضع للهيمنة. بينما البلد اليوم يستغرق في انهيار خطير وكارثة كبيرة. في حين يدور الاهتمام السياسي حول “السفاسف” والهوامش السخيفة في استلاب وارتهان لأخطبوط الهيمنة الأميركية والغربية والانخلاع الثقافي، الذي نجد منوعاته في صحفنا، بتكرار مضجّر لمفردات الارتهان للغرب ولنمط الاستهلاك البائس، وبالتالي إغلاق العيون والعقول عن تحولات كبرى في العالم والمنطقة، تفترض التخلّي عن إدمان البلاهة والتخلّف، وتطوير أفكار جديدة وخلّاقة، تتوسل فرص النهوض من الكارثة. ومن المؤسف أن يخلو الإعلام اللبناني، بمعظم منابره، من أي مبادرة جدية للمساهمة في تفكير جديد يناسب التحوّلات. وهذا المستنقع الثقافي والإعلامي لا تعوّضه مصنفات الادّعاء الفارغ والخطب الرنانة عن المعجزة المفقودة، بينما تزدحم الكوارث على أبواب البلد، وتقرع بشدّة.

إن الظرف العالمي المتحوّل يقدّم لنا فرصة تاريخية يجب التقاطها والتفكيَّر بطريقة جديدة بعيدة عن إدمان التبعية والتخلّف. فالتوجه شرقا هو حبل النجاة، وغيره مستنقع موحل للدماء والأزمات. والآتي أدهى من كلّ ما سبق.